من هو الإرهابي حقًا؟ قراءة في ازدواجية الخطاب تجاه إيران

بقلم بيلين فرنانديز

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

حين يهاجم دونالد ترامب إيران واصفًا إياها بأنها “الدولة الراعية الأولى للإرهاب في العالم”، فربما يكون، في الحقيقة، ينظر إلى المرآة.

كانت زيارتي الأولى إلى إيران في سبتمبر/أيلول 2015، حين حضرت مؤتمرًا في طهران حول “ضحايا الإرهاب الإيرانيين”، وهو توصيف شمل، في تلك الحالة، آلاف الإيرانيين الذين قُتلوا على يد جماعة “مجاهدي خلق” ذات النزعة الانقلابية، إضافة إلى العلماء الإيرانيين الذين جرى اغتيالهم بمساعدة غير خفية، على ما يبدو، من جهاز الموساد التابع لدولة الاحتلال.

وقد وجدت نفسي في ذلك المؤتمر بمحض الصدفة، إذ إن رسالة الدعوة التي وصلت إلى بريدي الإلكتروني لم تكن موجهة إليّ أصلًا، بل إلى الجنرال ميرزا أسلم بيغ، القائد السابق للجيش الباكستاني، وفق ما كشفه بحث سريع على “غوغل”.

وبعد محاولات طويلة لإقناع منظمي الحدث، تمكنت من انتزاع دعوة لنفسي، وبعد ترتيب سريع لتأشيرة السفر، وجدت نفسي على متن طائرة متجهة إلى طهران، برفقة سياسي إسباني يميني سابق، كان من بين المدعوين للمؤتمر.

وخلال حديث عابر، أخبرني رفيق السفر أنه نصح السفير الإيراني في مدريد بضرورة أن تسعى الجمهورية الإسلامية لامتلاك سلاح نووي، غير أن اقتراحه قوبل بالرفض لأسباب دينية.

في المؤتمر، تحدثت مع شهره بيراني، أرملة العالم الإيراني داريوش رضائي نجاد، الذي اغتيل أمام منزله عام 2011 وهو في الخامسة والثلاثين من عمره. 

كانت بيراني وابنتها ذات الأربع سنوات شاهدتين على الجريمة، ومع ذلك، ورغم الصدمة النفسية العميقة، أكدت لي أنها لا تحمل سوى الشفقة تجاه قتلة زوجها، معتبرة أن مثل هذه الأفعال الإرهابية مدفوعة بلا شك بحالة من اليأس.

اليوم، وبعد مرور سنوات، ارتفع عدد ضحايا الإرهاب في إيران بشكل هائل، تزامنًا مع الحرب غير المبررة بل والعدوانية إلى حد السلوك المرضي التي شنتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في 28 فبراير/شباط.

لقد قُتل أكثر من ثلاثة آلاف إيراني في هذا العدوان، بينهم أكثر من 1400 مدني، وفي المقابل، أطلقت إدارة ترامب سلسلة متخبطة من المبررات لتبرير ضرورة إسقاط الحكومة الإيرانية، في مشهد يجسد أحد أكثر نماذج الإسقاط النفسي إثارة للانتباه، إذ وصف ترامب الإيرانيين بأنهم “مرضى نفسيون، غاضبون، مجانين، مرضى”.

السردية الغربية

من بين أوائل ضحايا الضربات الأمريكية–الصهيونية على إيران، كان أكثر من 170 شخصًا معظمهم من التلميذات قُتلوا في هجوم على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب، ومن السهل تخيل العاصفة الإعلامية التي كانت ستندلع لو أن إيران قتلت طفلة أمريكية واحدة فقط.

لكن في ميناب، حرصت وسائل الإعلام الأمريكية على تقليل التغطية قدر الإمكان، إلى أن أصبح تجاهل المجزرة مستحيلًا، وفي مشهد يعكس قسوة الخطاب، تبجح الناشط المحافظ مات شلاب بكل برود أن من “الأفضل لتلك الفتيات أن يكنّ ميتات بدل أن يعشن في برقع”.

ومع ذلك، لم تُحدث هذه المجازر أثرًا يُذكر في السردية الغربية التي تصر على تصوير الإيرانيين باعتبارهم “إرهابيين”، رغم أن إيران لم تكن هي من أمضت أكثر من عامين تموّل الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال في قطاع غزة، عبر مليارات الدولارات من الدعم العسكري والمالي.

أحد الاتهامات الجاهزة التي يكررها المسؤولون الأمريكيون لإثبات “إرهاب” إيران هو شعار “الموت لأمريكا” الذي يُرفع في بعض التجمعات السياسية، وكأن مجرد إطلاق هذا الشعار أخطر من ممارسة القتل الفعلي ونشر الدمار في أنحاء العالم.

فالولايات المتحدة كرّست تاريخها الحديث لارتكاب المجازر، من فيتنام إلى أفغانستان، ومن السلفادور إلى نيكاراغوا، سواء عبر التدخل العسكري المباشر، أو عبر تدريب وتسليح وتمويل جيوش وميليشيات يمينية اشتهرت بقتل المدنيين.

وليست إيران هي من موّلت، على مدى أكثر من عامين، حرب الإبادة التي يشنها جيش الاحتلال في غزة، حيث تجاوز عدد الشهداء 72 ألفًا، فيما تشير التقديرات إلى أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير.

بمعنى آخر، عندما يتهم ترامب إيران بأنها “الدولة الراعية الأولى للإرهاب”، فإنه في الواقع يصف نفسه، فإلى جانب غزة، تواصل الولايات المتحدة دعم إرهاب حكومة بنيامين نتنياهو ضد لبنان، والذي تصاعد إلى مستويات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على إيران.

مناخ من الرعب

يعرّف “قاموس بريتانيكا” الإرهاب بأنه “الاستخدام المتعمد للعنف لخلق حالة عامة من الخوف داخل مجتمع ما، بهدف تحقيق غايات سياسية”.

ولا يمكن إنكار أن هذا التعريف ينطبق تمامًا على ما تقوم به الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، من خلال قصف إيران بلا هوادة، وتحويل سمائها إلى سواد، والتسبب في أمطار سامة.

كانت زيارتي الأخيرة إلى إيران في عام 2016، حين أمضيت أسبوعين في مدينة أصفهان، التحفة المعمارية المذهلة، التي تتعرض اليوم للعدوان الأمريكي–الصهيوني.

وبصفتي مواطنة أمريكية، كان من المفترض أن أكون برفقة مرافق رسمي طوال الوقت، لكن بعد مفاوضات طويلة مع وكيلة سفر إيرانية، سُمح لي بمرافقة دليل سياحي ليوم واحد فقط.

خلال تجوالي بين جمال ميدان نقش جهان، والتقاط الصور أمام لافتات “الموت لأمريكا”، تعرفت إلى أصدقاء عديدين من بينهم هادي، بائع كتب دعاني إلى معرض أسبوعي في موقف سيارات تحت الأرض، وأهداني مجموعة من الكتب، بينها مؤلفات هو تشي منه، وترجمة فارسية-إنجليزية ضخمة لأعمال الشاعر سعدي الشيرازي، كما رافقني في رحلة إلى جبل صفه جنوب أصفهان، مؤكدًا أن زيارته لا يمكن تفويتها.

صديق آخر كان حميد، لاعب كرة طائرة سابق، دعاني للركض معه على ضفاف النهر، ورغم عدم حبه للحكومة الإيرانية، كان يحمل العقوبات الأمريكية مسؤولية تراجع تمويل الفرق الرياضية، وانتهاء مسيرته مبكرًا.

لقد جعلت عقود من العقوبات الأمريكية حياة الإيرانيين جحيمًا بطرق متعددة، بما في ذلك تقييد الوصول إلى الأدوية الضرورية وهو ما يشكل سلاحًا آخر في الترسانة الأ  مريكية، حتى في غياب الحرب المباشرة.

أما اليوم، ومع استمرار الولايات المتحدة وشريكتها دولة الاحتلال في قتل الأطفال الإيرانيين بدم بارد، وممارسة “العنف المتعمد لخلق مناخ من الرعب”، فقد آن الأوان لتسمية الأشياء بأسمائها، الإرهاب الحقيقي واضح، لكن من يجرؤ على الاعتراف به؟

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة