حرب إيران تضع ترامب في مأزق مع تصاعد النفوذ الإسرائيلي

بقلم جوناثان كوك

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

من الواضح أن رئيس وزراء دولة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، نجح في إقناع دونالد ترامب بأن الحرب على إيران ستسير على غرار ما اعتُبر “إنجازاً جريئاً” في لبنان قبل نحو عام ونصف.

كانت الفكرة تقوم على أن الجيش الأمريكي وجيش الاحتلال، سيتمكنان معاً من قطع رأس القيادة في طهران، لتنهار كما بدا حينها أن حزب الله قد انهار عقب اغتيال حسن نصر الله، القائد الروحي والاستراتيجي للمنظمة. 

ويبدو أن ترامب ابتلع هذه الرواية بالكامل، فقد تصوّر أنه سيكون الرئيس الأمريكي الذي “يعيد تشكيل الشرق الأوسط”، وهي مهمة تجنبها أسلافه منذ الفشل الذريع الذي مُني به جورج بوش الابن قبل أكثر من عقدين، عندما حاول تحقيق الهدف ذاته بالتعاون مع دولة الاحتلال.

وجّه نتنياهو أنظار ترامب نحو ما وصفه بـ”الإنجاز الجريء” في لبنان، لكن ما كان ينبغي على الرئيس الأمريكي أن يلتفت إليه حقاً هو الفشل الأخلاقي والاستراتيجي الهائل لدولة الاحتلال في غزة.

هناك، أمضت دولة الاحتلال عامين وهي تدك القطاع الصغير بلا هوادة، وتجوّع سكانه، وتدمر بنيته التحتية المدنية بالكامل، بما في ذلك المدارس والمستشفيات.

وقد أعلن نتنياهو مراراً أن دولة الاحتلال “تقضي على حماس”، التي تمثل الحكومة المدنية في غزة وحركة المقاومة التي رفضت الخضوع للاحتلال والحصار غير القانوني منذ أكثر من عقدين.

لكن الحقيقة، كما خلص إليها معظم خبراء القانون وحقوق الإنسان منذ وقت طويل، هي أن ما كانت تقوم به دولة الاحتلال هو إبادة جماعية، إلى جانب تمزيق قواعد الحرب المثبتة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبعد عامين ونصف من تدمير غزة، فإن حماس لم تختفِ، وليس ذلك فحسب، بل ما زالت تمسك بزمام الأمور وسط الركام.

قد تكون دولة الاحتلال قد قلّصت مساحة “المعتقل المفتوح” الذي يُحتجز فيه سكان غزة بنحو 60%، لكنها لم تتمكن من القضاء على حماس، بل على العكس، هي التي تراجعت إلى “مناطق آمنة” تواصل منها حرب استنزاف ضد الناجين.

مفاجآت تنتظر واشنطن

حين كان ترامب يفكر في شن حرب غير قانونية على إيران، كان عليه أن يستخلص الدرس الأوضح الذي مفاده أنه إذا كانت دولة الاحتلال، رغم الدعم الأمريكي غير المحدود بالذخائر، قد فشلت في إخضاع قطاع صغير بحجم مدينة ديترويت، فكيف يمكن تصور نجاح المهمة نفسها في إيران؟

ذلك أن إيران أكبر من غزة بـ 4500 مرة، ويبلغ عدد سكانها وقواتها العسكرية نحو 40 ضعفاً، كما تمتلك ترسانة صاروخية هائلة، لا تُقارن بالصواريخ البدائية التي استخدمتها حماس، والأهم من ذلك أن إيران، بخلاف غزة المعزولة، تمتلك أوراق ضغط استراتيجية قادرة على إحداث زلازل عالمية.

فهذه طهران تصعّد المواجهة خطوة بخطوة، مستهدفة البنية التحتية العسكرية الأمريكية في دول الخليج، إلى جانب منشآت مدنية حيوية مثل شبكات الطاقة ومحطات تحلية المياه، وصولاً إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والطاقة العالمية.

وبهذا، باتت إيران تفرض عقوبات على العالم بأسره، بحرمانه من الوقود اللازم لتشغيل اقتصاده، تماماً كما فرض الغرب عليها عقوبات لسنوات طويلة حرمتها من مقومات البقاء الاقتصادي.

وعلى عكس حماس التي كانت تقاتل من شبكة أنفاق تحت أراضٍ رملية مكشوفة، تتمتع إيران بجغرافيا تمنحها أفضلية عسكرية هائلة.

ذلك أن المنحدرات الصخرية والممرات الضيقة في مضيق هرمز توفر مواقع محمية لا حصر لها لشن هجمات مباغتة، فيما تمنح سلاسل الجبال الشاسعة في الداخل الإيراني ملاذات لا تُحصى لإخفاء اليورانيوم المخصب، والقوات، ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، وحتى مصانع الأسلحة.

وبينما تواصل الولايات المتحدة ودولة الاحتلال استهداف البنية العسكرية الظاهرة لإيران، فإنهما كما اكتشفت دولة الاحتلال في غزة لا تملكان أي تصور حقيقي عمّا يكمن تحت السطح، غير أنه ومن المؤكد أن إيران، التي كانت تستعد لهذه المواجهة منذ عقود، لا تزال تخفي في جعبتها الكثير من المفاجآت.

ترامب يفقد السيطرة

المعضلة الأساسية التي يواجهها ترامب الآن هي أنه لم يعد يتحكم في مجريات الأحداث، فدوره بات محصوراً في إطلاق تصريحات متناقضة بين التصعيد والتهدئة، يبدو أنها تخدم مصالح دائرته الضيقة أكثر مما تؤثر في مسار الحرب.

لقد فقد السيطرة على المواجهة العسكرية منذ اللحظة التي انخدع فيها برواية نتنياهو، ورغم كونه القائد الأعلى لأقوى جيش في العالم، وجد نفسه فجأة في موقع المتفرج العالق بين طرفين: دولة الاحتلال، حليفه الرئيسي، وإيران، خصمه المباشر، وكلاهما يمسك بالأوراق الحاسمة.

وقد يخرج ترامب في أي لحظة ليعلن النصر، كما يلمّح مراراً، لكنه في الواقع لا يملك الوسائل لإنهاء الحرب التي أطلق شرارتها، فبعد أن خرج “المارد من القمقم”، لم يعد من السهل إعادته.

وعلى عكس الولايات المتحدة، فإن كلاً من إيران ودولة الاحتلال ترى في استمرار الحرب مصلحة وجودية، إذ يعتقد كل طرف أن هذه المواجهة تحدد مستقبله.

فدولة الاحتلال، التي تنظر إلى العالم بمنطق “صفر أو لا شيء”، تخشى أن يؤدي توازن القوى مع إيران، خصوصاً إذا امتلكت قدرات نووية مماثلة لها، إلى فقدان امتيازها الحصري لدى واشنطن، وإجبارها على تسوية مع الفلسطينيين بدلاً من مواصلة مشروع الإبادة والتهجير.

في المقابل، خلصت إيران إلى أنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة وخاصة ترامب، كما لا يمكن الوثوق بدولة الاحتلال.

ففي عام 2018، انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي وقّعه سلفه باراك أوباما، ثم شن ضربات على إيران خلال مفاوضات لاحقة، قبل أن يطلق هذه الحرب في اللحظة التي كانت فيها المفاوضات الجديدة على وشك النجاح.

وبذلك، أصبحت كلمات ترامب بلا قيمة في نظر طهران، فحتى لو توصّل إلى اتفاق اليوم، ما الذي يضمن ألا يشن حرباً جديدة بعد أشهر؟

واليوم، فإن إيران تنظر إلى ما جرى في غزة خلال العقدين الماضيين باعتباره نموذجاً لا يمكن القبول بتكراره.
فقد بدأت دولة الاحتلال بفرض حصار خانق على القطاع، وضعت فيه السكان تحت ما يشبه “نظام تجويع” يتشدد كلما رفضوا الصمت داخل ما تحول إلى معتقل جماعي مفتوح.

ثم اعتمدت تل أبيب سياسة “جزّ العشب” عبر شن هجمات دورية كل بضع سنوات، قبل أن تبلغ ذروتها بإطلاق حرب إبادة شاملة.

ولهذا، فإن القيادة الإيرانية لا تبدو مستعدة للسير في الطريق ذاته، وترى أن عليها بدلاً من ذلك توجيه ضربة قاسية للولايات المتحدة، تجعلها تفكر ألف مرة قبل تكرار هذا السيناريو.

تسعى طهران إلى إلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد العالمي، وبالدول الحليفة لواشنطن في الخليج، بحيث يصبح ثمن المواجهة أعلى من أي مكسب محتمل.

وفي هذا السياق، كشفت تقارير أن الضربات الإيرانية جعلت العديد من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة غير صالحة للإقامة تقريباً، ما اضطر آلاف الجنود الأمريكيين إلى الانتقال إلى فنادق ومكاتب، بل ونقل بعضهم إلى أوروبا.

إشعال النار عمداً

ومع مرور الوقت، يتضح أن مصالح الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في هذه الحرب لم تعد متطابقة، فترامب بحاجة ماسة إلى تهدئة الأسواق العالمية سريعاً لتجنب كساد اقتصادي قد يطيح بالدعم الداخلي له، وهو ما يفرض عليه إعادة الاستقرار بأي ثمن.

لكن في ظل فشل الضربات الجوية في إسقاط القيادة الإيرانية أو الحرس الثوري، فإن ترامب يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما التراجع والدخول في مفاوضات مهينة مع إيران، أو التصعيد نحو غزو بري لإسقاط النظام وفرض قيادة موالية.

غير أن استمرار إيران في التصعيد، وغياب أي ثقة بنوايا ترامب، يدفع واشنطن تدريجياً نحو الخيار الثاني.

في المقابل، تعارض دولة الاحتلال بشدة خيار التفاوض، لأنه يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، كما تشكك في إمكانية نجاح الغزو البري، فالدرس الأهم من غزة، في نظرها، هو أن الجغرافيا الواسعة لإيران ستجعل أي قوات غازية هدفاً سهلاً لهجمات غير مرئية.

كما أن هناك دعماً داخلياً واسعاً للقيادة الإيرانية، حتى وإن لم يظهر ذلك في الإعلام الغربي، ما يجعل فرض قيادة بديلة أمراً شبه مستحيل، خاصة في ظل شخصية مثل رضا بهلوي الذي يؤيد قصف بلاده من الخارج.

لكن دولة الاحتلال لم تدخل هذه الحرب بهدف تحقيق الاستقرار، بل على العكس تماماً، هدفها هو الفوضى، وهذا ما حاولت فرضه في غزة ولبنان، وتسعى لتكراره في إيران.

فكما أشار مسؤولون أمريكيون سابقون، فإن الهدف الحقيقي هو “كسر إيران وإغراقها في الفوضى”، لأن دولة ممزقة داخلياً تمثل تهديداً أقل.

ولهذا السبب، تواصل دولة الاحتلال اغتيال القيادات الإيرانية، كما فعلت سابقاً في غزة، وهي تدرك أن البدائل ستكون أكثر تشدداً وعدوانية.

كما أنها تستهدف البنية التحتية المدنية، ليس فقط لإضعاف الدولة، بل لبث اليأس والانقسام، ودفع طهران إلى ردود فعل عنيفة تزيد من حدة التصعيد.

كما تعمل على تأجيج الصراعات الداخلية، من خلال دعم جماعات أقليات داخل إيران ومحيطها، في محاولة لإشعال نزاعات داخلية طويلة الأمد، على قاعدة أن الدول الغارقة في الحروب الأهلية لا تشكل تهديداً حقيقياً.

رسائل مرتبكة من واشنطن

في المقابل، يواصل ترامب إرسال إشارات متناقضة، فهو يتحدث عن التفاوض، بينما يحشد قواته استعداداً لغزو محتمل، ويصعب تحليل نواياه، لأن تصريحاته تفتقر لأي منطق استراتيجي واضح.

ففي أحد خطاباته، زعم أن إيران “تريد عقد صفقة بشدة”، لكنها تخشى من شعبها ومن الولايات المتحدة في الوقت نفسه.

هذا الخطاب لا يعكس سلوك قوة عظمى تسعى لفرض النظام، بل يشبه إلى حد كبير تصرفات زعيم مأزوم يحاول قلب الطاولة بمغامرة أخيرة.

وتشير المعطيات إلى أن هذه المغامرة قد تتمثل في محاولة السيطرة على جزيرة خرج، المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية عبر مضيق هرمز، ويبدو أن ترامب يراهن على استخدام الجزيرة كورقة ضغط، لإجبار طهران على فتح المضيق أو خسارة صادراتها النفطية.

لكن إيران، بحسب مصادر دبلوماسية، ترفض هذا الابتزاز، بل تهدد بقصف الجزيرة بالكامل بما في ذلك القوات الأمريكية بدلاً من السماح باستخدامها كورقة تفاوض، كما لوّحت باستهداف الملاحة في البحر الأحمر، ما يفتح جبهة جديدة في شريان عالمي آخر للطاقة.

وهذه لعبة محفوفة بالمخاطر لن يكون من السهل على ترامب كسبها، وفي جميع السيناريوهات، تبدو دولة الاحتلال في موقع المستفيد.

فإذا صعّد ترامب، ستصعّد إيران، وإذا أعلن النصر، ستواصل إيران القتال لإثبات العكس، وإذا قدم تنازلات، ستجد دولة الاحتلال طرقاً لإشعال المواجهة مجدداً.

والحقيقة أن تل أبيب تفعل ذلك بالفعل، فهي تواصل تدمير جنوب لبنان، مستنسخة نموذج غزة، وتستعد لضم مناطق جنوب نهر الليطاني ضمن مشروعها التوسعي.

كما تستمر في قتل الفلسطينيين في غزة، وتقليص المساحة المتاحة لهم، وفرض حصار خانق على الغذاء والوقود، كما تصعّد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، تمهيداً لتهجير جماعي يقوّض أي أمل في قيام دولة فلسطينية.

يرى مسؤولون أمريكيون أن رؤية دولة الاحتلال لإيران “مكسورة” لا تخدم مصالح واشنطن، بل قد تؤدي إلى اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز، وانهيار اقتصادي عالمي، وموجات هجرة جماعية نحو أوروبا.

هذا الأمر سيغذي بالضرورة صعود اليمين المتطرف، ويعمّق أزمة الشرعية التي تعاني منها النخب الأوروبية، ويفتح الباب أمام مزيد من النزعات السلطوية.

بعبارة أخرى، قد تخلق هذه الحرب بيئة سياسية عالمية أكثر انسجاماً مع أجندة “القوة فوق القانون” التي تتبناها دولة الاحتلال، وفي النهاية، يبدو أن مخرج ترامب من هذه الحرب يكاد يكون مستحيلاً، والأخطر من ذلك، أن هناك طرفاً يعمل بكل طاقته لضمان ألا يجد هذا المخرج أبداً.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة