في عيد الفصح: الحرية لهم… والمشانق للفلسطينيين

بقلم لبنى مصاروة 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

في اليوم الأول من عيد الفصح اليهودي، الذي يُحيي ذكرى خروج بني إسرائيل من العبودية في مصر ويُقدَّم عادةً بوصفه احتفالاً بالحرية، تبدو المفارقة صارخة لا تحتاج إلى تعليق.

بين أصوات صفارات الإنذار التي تخترق ضجيج المدينة، تتسابق العائلات لإتمام مشترياتها الأخيرة استعداداً لوجبة العشاء التقليدية، وعلى شواطئ تل أبيب يسود مشهد مألوف لعطلة عامة؛ عداؤون يتتبعون خط الساحل وشباب يتجمعون في شمس الربيع. 

لكن خلف هذا الإيقاع اليومي تلوح صورة أخرى، إذ لمحتُ أثناء مروري بجانب مطعم على الشاطئ عنواناً على إحدى القنوات المحلية يقول: “ستُنفَّذ أحكام الإعدام شنقاً”.

ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، أقرّ برلمان دولة الاحتلال قانوناً مثيراً للجدل يتيح للمحاكم العسكرية إصدار أحكام بالإعدام بحق فلسطينيين يُدانون بقتل إسرائيليين في عمليات تُصنَّف “إرهابية”، في حين لا يُطبَّق الحكم ذاته على الإسرائيليين اليهود المدانين بقتل فلسطينيين. 

وهذا التشريع، الذي طالما دافع عنه نواب اليمين المتطرف، يمثل تصعيداً خطيراً في تعامل دولة الاحتلال مع الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها، وإن كان كثير منهم يرون فيه تقنيناً لواقع قائم بالفعل لا قطيعةً مع الماضي.

نمط متجذر من العنف

لطالما وثّقت منظمات حقوق الإنسان عمليات القتل خارج نطاق القضاء التي ينفذها جيش الاحتلال والمستوطنون في الأراضي المحتلة، وما يجري اليوم ليس استثناءً بل امتداد لهذا النمط، فقبل أسبوعين فقط، كانت عائلة بني عودة في طريق عودتها إلى المنزل بعد شراء ملابس العيد حين أطلقت قوات الاحتلال النار على مركبتهم، فاستُشهد الوالدان واثنان من أطفالهما.

ولسنوات، كان الفلسطينيون يُقتلون بالرصاص بدعوى أنهم يشكلون تهديداً فورياً، سواء بزعم حمل سكين أو محاولة تنفيذ عملية دهس، وهي ممارسات كانت تُبرَّر سابقاً كإجراءات أمنية استثنائية قبل أن تتحول إلى جزء راسخ من منظومة السيطرة. 

ففي كثير من الحالات لا تُجرى محاكمات ولا توجد أدلة كافية على محاولات الاعتقال، والنتيجة نظام تصبح فيه القوة المميتة الخيار الأول لا الأخير، فضلاً عن سياسة طويلة الأمد من الاغتيالات الموجهة جعلت دولة الاحتلال من أبرز الدول التي تنتهج هذا النوع من العمليات.

وتعكس تصريحات المسؤولين هذا التحول بجلاء؛ إذ قال عضو الكنيست يتسحاق كرويزر: “لا يوجد مدنيون أبرياء، ولا أطفال أبرياء في جنين”. 

في المقابل، حذّرت عضو الكنيست عايدة توما-سليمان، وهي من الأصوات القليلة المعارضة، قبيل التصويت النهائي على قانون الإعدام قائلةً: “هل سنبدأ قريباً برؤية أشخاص يُعلَّقون على المشانق بينما تهتف الحشود؟ هذا القانون ليس إنسانياً، إنه يحطم أي أمل بوجود ديمقراطية حقيقية هنا”. 

وبحسب منظمة “بتسيلم” الحقوقية، استشهد ما لا يقل عن 1050 فلسطينياً في الضفة الغربية والقدس المحتلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينهم 29 قُتلوا على يد مستوطنين.

صعود الكهانية من الهامش إلى المركز

في الوقت ذاته، تدهورت أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال تدهوراً حاداً؛ فتحت قيادة بن غفير شُنّت حملة اعتقالات واسعة، وبحسب منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” استشهد أكثر من 100 أسير فلسطيني داخل السجون منذ بدء الحرب على غزة، فيما جرى اعتقال عشرات الآلاف وتحوّلت مرافق الاعتقال إلى بؤر لانتهاكات ممنهجة تشمل الإهمال والعنف وسوء المعاملة.

غير أن إقرار قانون الإعدام بدعم من الائتلاف الحاكم وأطراف من المعارضة يشير إلى تحول أعمق وأخطر داخل المجتمع؛ إذ ما كان يُعتبر هامشياً أصبح اليوم في قلب التيار العام. 

فقد عادت الكهانية، الأيديولوجيا القومية المتطرفة المرتبطة بالحاخام مائير كاهانا، بقوة متجددة، حيث أسس كاهانا حركة “كاخ” عام 1971 على برنامج عنصري صريح دعا إلى طرد الفلسطينيين من فلسطين التاريخية والفصل بين اليهود والعرب وإقامة دولة دينية يهودية، وحين دخل الكنيست عام 1984 دعا علناً إلى تجريد الفلسطينيين من حقوقهم ومواطنتهم. 

وقد حُظرت الحركة لاحقاً وصُنّفت إرهابية إثر مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي راح ضحيتها 29 مصلياً فلسطينياً، بيد أن أفكارها لم تختفِ قط، بل باتت ملصقات “كاهانا عاد” مشهداً مألوفاً في الشوارع وعلى السيارات منذ أحداث السابع من أكتوبر.

من خيال إلى واقع

تجسّدت هذه الأيديولوجيا في شخصية بن غفير، أحد تلامذة كاهانا وناشطيه، الذي أشاد علناً بإرثه عام 2022، واللافت أنني في مايو/أيار 2021، حين غطّيت “يوم القدس” وتحدثتُ إلى شبان إسرائيليين يرون في بن غفير رئيساً للوزراء المقبل، استقبل صحفي ومحلل إسرائيلي هذه الأحاديث بالسخرية مؤكداً أن ذلك لن يحدث حتى في الأحلام. 

أما اليوم فالرجل ليس فقط داخل الحكومة، بل في قلبها يُسهم في رسم سياساتها وتحديد ملامح مستقبلها، وما كان أجندةً متطرفة بات تيارًا سياسياً سائداً يتجسد في قوانين، كقانون الإعدام.

وحين أُعلن إقرار القانون يوم الاثنين، استُقبل باحتفال صريح؛ إذ فتح بن غفير زجاجة نبيذ ورقص مع زملائه من النواب.

في هذا العيد الذي يُفترض أن يُخلّد معنى التحرر، تبدو المفارقة في أقسى صورها: بينما تجتمع العائلات للاحتفال بالحرية، يُرسّخ هذا القانون قبضةً أشد على شعب لم يُسأل يوماً عن رأيه في القيود المفروضة عليه.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة