هل كشفت حرب إيران هشاشة “اللحظة الخليجية”؟

بقلم كريستيان هندرسون

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

في عام 2018، نشر الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله كتابًا بعنوان “اللحظة الخليجية”، طرح فيه فكرة أن دولًا مثل الإمارات وقطر والسعودية تجاوزت مراكز الثقل التقليدية في المنطقة، كالعراق ومصر، وأصبحت تمارس نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا على الساحة العالمية.

ومن وجهة نظره، فإن جوهر هذا التحول كان يتمثل في اندماج دول الخليج العميق في الاقتصاد العالمي، حيث كتب أن “اللحظة الخليجية غير مسبوقة في التاريخ العربي”، مشيرًا إلى أنها “تزامنت مع لحظة مفصلية جديدة في تاريخ العالم، هي العولمة”.

وبالفعل، كان اندماج دول الخليج في الاقتصاد العالمي عنصرًا محوريًا في نجاحها، إذ يرتبط نموها ارتباطًا وثيقًا بتدفقات الطاقة والسلع ورؤوس الأموال والعمالة عبر الحدود.

غير أن هذا الاعتماد ذاته تحوّل إلى نقطة ضعف، مع اندلاع حرب الولايات المتحدة المشتركة مع الاحتلال على إيران في فبراير/شباط، والتي شكّلت صدمة كبيرة لاقتصادات الخليج.

فردًا على الحملة الجوية العنيفة التي شنتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، تبنّت إيران استراتيجية تستهدف البنية التحتية للطاقة والمنشآت اللوجستية في دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة لرفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي.

وهكذا، تحوّلت العولمة التي صنعت ثروة الخليج ونفوذه إلى عامل هشاشة يمكن استهدافه بسهولة.

كان السلاح الأكثر تأثيرًا في يد إيران هو الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، الشريان البحري الرئيسي للخليج، والذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي.

كما استهدفت طهران مجمعات صناعية في دول الخليج، ما أدى إلى خسائر تُقدّر بنحو 15 مليار دولار في عائدات الطاقة خلال الأسبوعين الأولين من الحرب فقط.

وأثارت هذه الخسائر مخاوف من أن دول الخليج قد تجد صعوبة في التعافي من هذه “الحرب الاقتصادية”، بل ذهب بعض المراقبين إلى التحذير من احتمال انهيار مدن مثل دبي.

لكن هذه التوقعات تبدو مبالغًا فيها، إذ أظهرت دول الخليج قدرًا ملحوظًا من المرونة في مواجهة هذا السيناريو الأسوأ.

ففي قطاع الغذاء مثلًا، ورغم أن معظم الواردات تمر عبر مضيق هرمز، لم تُسجل حتى الآن مؤشرات واضحة على نقص الإمدادات.

ويرجع ذلك إلى مرونة البنية اللوجستية والتجارية في المنطقة، حيث يتم تفريغ السلع في موانئ بديلة في عُمان أو السعودية، ثم نقلها برًا إلى بقية دول الخليج.

ورغم الحديث عن مغادرة شركات متعددة الجنسيات لبعض المدن الخليجية، لا تزال المنطقة تحتفظ بجاذبيتها كمركز عالمي، في ظل محدودية البدائل التي توفر بيئة تنظيمية واستقرارًا مماثلين لما تقدمه مدن مثل دبي.

غير أن الحرب تطرح، على المدى البعيد، تساؤلات جوهرية حول موقع دول الخليج في الاقتصاد العالمي.

فقد كشفت عن هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على الاستقرار الجيوسياسي، وأظهرت أن الاعتماد على التدفقات العالمية يمكن أن ينقلب بسرعة إلى مصدر ضعف.

كما بيّنت الأزمة أن القوة المالية لهذه الدول لا يمكن أن تعوّض غياب أشكال القوة الصلبة، وعلى رأسها القوة العسكرية.

الاعتماد على الهيمنة الأمريكية

وتُظهر هذه التطورات مدى اعتماد دول الخليج على المظلة الأمنية الأمريكية، إذ لعبت واشنطن لعقود دور الضامن الأمني، مدعومة بوجود قواعد عسكرية وتحالفات غربية.

ولا تزال القدرات العسكرية لدول مجلس التعاون تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا والخبرة الأميركية والغربية.

ورغم التصريحات المتقلبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي ألمح فيها إلى إمكانية ترك مضيق هرمز مغلقًا، بل ووجّه فيها إهانات لولي العهد السعودي، فإن الحرب أعادت التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للمنطقة في معادلة القوة الأميركية والرأسمالية العالمية

فالنفط والغاز الخليجيان يشكلان ركيزة أساسية لسلاسل الإمداد الصناعية العالمية، وإغلاق مضيق هرمز يؤدي إلى ارتفاع التضخم بشكل حاد، وقد يفضي إلى تعطيل الإنتاج في قطاعات صناعية رئيسية.

مستقبل البترودولار

كما تلعب دول الخليج دورًا محوريًا في نظام “البترودولار”، الذي يكرّس الدولار الأميركي كعملة احتياط عالمية، من خلال تسعير النفط بالدولار، وهو ما يعود إلى اتفاق عام 1974 بين واشنطن والرياض.

ويجبر هذا النظام الدول على الاحتفاظ بالدولار لشراء الطاقة، ما يؤدي إلى تراكم فوائض مالية ضخمة بالعملة الأميركية.

وتدعم استثمارات الخليج الاقتصاد الأميركي بشكل كبير، إذ تُقدّر قيمة الأصول الخليجية في الولايات المتحدة بنحو تريليوني دولار، إلى جانب كون دول الخليج من أكبر مستوردي السلاح الأميركي، حيث وقعت واشنطن صفقة مع السعودية بقيمة 142 مليار دولار في عام 2025.

ومع ذلك، تبرز تساؤلات متزايدة حول استدامة هذا النظام، خاصة مع توجه معظم صادرات النفط الخليجية نحو الصين والأسواق الآسيوية، وظهور تكهنات بإمكانية تسعير هذه الصفقات باليوان الصيني.

وتزداد هذه التكهنات مع تقارير تفيد بأن إيران تسمح بمرور آمن لشحنات النفط التي يتم تسعيرها باليوان عبر مضيق هرمز، فيما أشار تقرير حديث إلى احتمال أن تسهم هذه الحرب في إنهاء نظام البترودولار.

ورغم ذلك، يبقى هذا السيناريو مستبعدًا في الوقت الراهن، إذ ورغم أن الأزمة الحالية أضعفت الثقة في ضمانات واشنطن الأمنية إلا أنها في الوقت ذاته زادت من شعور دول الخليج بالحاجة إلى الحماية الأمريكية.

وتشير المعطيات إلى أن الحرب قد تفضي إلى إيران أكثر جرأة وتأثيرًا، قادرة على فرض شروطها على حركة التجارة عبر مضيق هرمز.

وفي ظل هذا الواقع، قد تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى تعزيز علاقتها بالولايات المتحدة، وربما تعميق اعتمادها عليها، لضمان استمرار “اللحظة الخليجية”، ولو لفترة أطول.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة