يعتقد خبراء أن إحكام إيران سيطرتها على مضيق هرمز الاستراتيجي قد يكون أسهل بكثير من إزاحة هيمنة الدولار الأميركي على تجارة النفط العالمية، رغم الجهود التي تبذلها طهران لتقويض نفوذ العملة الخضراء.
وأصبحت سيطرة إيران على هذا الممر البحري الحيوي، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، محورًا رئيسيًا في الحرب الدائرة، في وقت لوّح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتهديدات حادة ضد طهران، محذرًا من “تدميرها بالكامل” إذا لم تتخلَّ عن سيطرتها على المضيق.
وبسبب الأهمية الاستراتيجية للمضيق، يرى بعض الخبراء أن تحكم إيران فيه يهدد نظام “البترودولار”، الذي يقوم على تسعير المنتجين العرب للنفط بالدولار.
وكانت تقارير سابقة قد أفادت بأن إيران أنشأت نظامًا معقدًا يشبه “رسوم المرور” للتحكم في السفن التي تسمح لها بالعبور، بما في ذلك سفن باكستان والصين، وهو ما أضفى بعدًا جديدًا على سيطرتها الفعلية على الممر البحري.
كما عززت تسعير هذه الرسوم باليوان الصيني التكهنات بإمكانية التحول بعيدًا عن الدولار في تجارة النفط العالمية.
وقال جواد صالحي أصفهاني، الخبير في الاقتصاد الإيراني، أن لطهران “مصلحة كبيرة في كسر هيمنة الدولار على تجارة النفط”، مشيرًا إلى أنها عانت من عدم تحقق ذلك سابقاً بسبب قدرة الولايات المتحدة على التحكم بالحسابات المصرفية بالدولار عالميًا.
ورغم هذه التحركات، فإن ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد في جامعة جونز هوبكنز، لا يرجح أن تتخلى دول الخليج، السعودية والكويت والعراق والبحرين وقطر والإمارات، عن نظام البترودولار، حتى مع استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز.
“كان مضيق هرمز أشبه بطريق سريع، لكنه سيتحول إلى طريق برسوم، الإيرانيون سيسيطرون عليه، لكن الدولار سيبقى ملكًا” – ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد في جامعة جونز هوبكنز
مصالح الممولين
ولفهم قبضة الدولار على سوق النفط، لا بد من العودة إلى عام 1974، حين أبرم وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر اتفاقًا مع السعودية يقضي بتسعير النفط بالدولار واستثمار الفوائض في الأصول الأميركية، ولا سيما سندات الخزانة.
وكان لهذه الصفقة تأثيران رئيسيان، فأولًا، أسهمت في ازدهار سوق “اليورودولار” في أواخر السبعينيات، وثانيًا، دعمت موقع الدولار بعد أن تعرض لاهتزاز كبير عقب قرار الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971 إنهاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب.
ويُقصد باليورودولار الدولارات الأميركية المودعة في بنوك خارج الولايات المتحدة خاصة في أوروبا والتي تُستخدم في الإقراض العالمي.
وقد تناول الصحفي أنتوني سامبسون هذا التحول في كتابه الصادر عام 1981 بعنوان “مُقرضو الأموال.. المصرفيون وعالم في اضطراب”.
كما أن قرار السعودية فتح الباب أمام بقية دول الخليج لتبني نظام البترودولار جعل المنطقة بحلول منتصف السبعينيات أكبر مصدر للإقراض الأميركي عبر شراء سندات الخزانة.
ويؤكد ديفيد إم وايت، مؤلف كتاب “أموال النفط.. البترودولارات الشرق أوسطية وتحول الإمبراطورية الأميركية”، أن نظام البترودولار أظهر “مرونة لافتة” خلال نصف القرن الماضي.
وأوضح أن العلاقة لم تكن قائمة على استغلال أميركي بحت، بل على مصالح متبادلة، قائلًا: “كانت أقرب إلى مغازلة متبادلة منها إلى فرض بالقوة”.
وقد تعرضت هذه العلاقة لاختبار خلال حرب عام 1973 والحظر النفطي العربي، الذي جاء دعمًا للفلسطينيين، وأسهم في أزمة تضخم ضربت الاقتصاد الأميركي بعد “صدمة الذهب” التي أحدثها قرار نيكسون.
وقال وايت إن الدول العربية كانت تسعى حينها للحصول على ضمانات أمنية أميركية، وهو ما شكل أحد الأعمدة الأساسية لنظام البترودولار.
لكن هذه المعادلة تغيرت بشكل ملحوظ اليوم، حيث أصبحت الولايات المتحدة أكثر اعتمادًا على الديون، ما قلل من أهمية التمويل الخليجي نسبيًا، في حين أصبحت دول الخليج أكثر نضجًا كدول مستثمرة.
ومع بحلول نهاية عام 2025، بلغت حيازة دول الخليج من سندات الخزانة الأميركية نحو 315 مليار دولار، لكنها تمثل الآن نسبة أقل من تمويل العجز الأميركي مقارنة بالعقود الماضية.
وأشار خبراء إلى أن هذه الدول تتجه اليوم إلى استثمارات متنوعة، تشمل الأسهم الأميركية، وشراء أندية كرة قدم أوروبية، والاستثمار داخل اقتصاداتها المحلية.
كما أن السعودية، على سبيل المثال، بدأت تسجيل عجز في ميزانيتها في ظل سعيها لتنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على النفط، وأصدرت ديونًا بقيمة 82 مليار دولار في عام 2025.
وكشفت الحرب الأخيرة عن بعض نقاط الضعف في النظام المالي الأميركي، حيث أفادت تقارير بأن بنوكًا مركزية بدأت بيع سندات الخزانة الأميركية، ما أدى إلى ارتفاع عوائدها من 3.9% قبل الحرب إلى نحو 4.4%.
ويُعد هذا التطور غير معتاد، إذ تُعتبر السندات الأميركية عادة ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات، لكن ارتفاع العوائد يشير إلى ضعف الطلب عليها.
كما أدى انقسام سوق النفط، حيث تبيع روسيا نفطها للصين باليوان نتيجة العقوبات، وكذلك تفعل إيران، إلى تقليص الفوائد التي يجنيها الدولار خلال الحروب.
وفي الوقت ذاته، لم تستفد دول الخليج من ارتفاع أسعار النفط بسبب تعطل صادراتها عبر مضيق هرمز، ما جعل المستفيد الأكبر من الوضع الحالي هو روسيا، التي لا تحتفظ بإيراداتها بالدولار.
هيمنة الدولار المزمنة
رغم كل هذه التحديات، يرى الخبراء أن الدولار سيظل العملة المهيمنة في تجارة النفط، لأسباب عدة، أبرزها أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر سوق رأسمالية وأكثرها سيولة في العالم، ولأن الدولار متجذر بعمق في النظام التجاري العالمي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الخبراء يرون أن الدولار سيستمر في الهيمنة لأن دول الخليج لا تزال تربط عملاتها بالدولار وكذلك لأن البدائل، مثل اليوان أو اليورو، لا توفر نفس المستوى من الاستقرار.
كما أن دولًا مثل الصين وأوروبا قد لا تكون متحمسة لرؤية نهاية البترودولار، لأن قوة عملاتها قد تضر بصادراتها.
ويشير وايت إلى أن الدول التي تمتلك عملات احتياطية تواجه تحديات، منها صعوبة تعزيز صادراتها بسبب ارتفاع قيمة عملتها.
ورغم الحديث عن تراجع هيمنة الدولار، يرى الخبراء أن النظام لا يزال مهمًا بما يكفي لواشنطن لممارسة ضغوط على دول الخليج للحفاظ عليه.
“أعتقد أن هناك ضغوطًا من الولايات المتحدة للإبقاء على هذه المعاملات بالدولار، وحتى الآن فإن دول الخليج مستعدة للمضي في ذلك” – ديفيد إم وايت، خبير اقتصادي
ويخلص الخبراء إلى أن التحديات التي تواجه الدولار حقيقية، لكنها لا تزال “على الهامش”، وأن مزيجًا من الجمود المؤسسي والمصالح المتشابكة والسيولة المالية سيبقي نظام البترودولار قائمًا.
وفي هذا السياق، يقول هانكي: “هناك تحديات بالفعل، لكن من الصعب إزاحة الملك عن عرشه”.
للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)







