هكذا منحت الحرب إيران أوراق القوة في الشرق الأوسط

بقلم ديفيد هيرست

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

يوماً تلو آخر، تبدو منشورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته أقرب إلى الانفلات من عُقلها، فيما يتصاعد القلق في أعماقه على نحو واضح، ذلك أن الهجوم الذي شنه على إيران دون مبرر أخذ يتحول تدريجياً إلى أسوأ كوابيسه.

الرجل الذي وعد الإيرانيين بـ “تحريرهم”، قائلاً إن دولتهم “قابلة لأن تكون في متناول أيديهم”، بات اليوم يهدد بقصف الشعب ذاته الذي ادّعى أنه جاء لنجدته، بل وهدد بإعادة ذات الشعب “إلى العصر الحجري”، في الوقت الذي كان فيه التصعيد الأخير في هذه الحرب على أعتاب استهداف البنية التحتية المدنية لإيران بشكل مباشر.

الرئيس الذي حشد آلاف المقاتلين من مشاة البحرية لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، يجد نفسه الآن عاجزاً، يراقب إيران وهي تقرر أي ناقلات يُسمح لها بالمرور وأيها يُستهدف، بينما تبقى القطع البحرية الأميركية على مسافة آمنة، وقد بلغت قيمة “رسم العبور” في المضيق نحو مليوني دولار تُدفع باليوان الصيني.

قبل أربعة أسابيع فقط، زعم رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، أن دولته دمّرت 80% من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وحققت “تفوقاً جوياً شبه كامل”.

لكن المشهد اليوم يكذّب تلك الرواية، إذ تتعرض الطائرات الحربية الأميركية للاستهداف بشكل متكرر، بل إن الدفاعات الجوية الإيرانية تبدو وكأنها تتحسن مع دخول الحرب أسبوعها السادس.

والأسوأ من ذلك، من وجهة نظر ترامب، أن الجمهورية الإسلامية ما تزال صامدة، رغم تعرضها لما يقارب 13 ألف غارة جوية، أي أن إيران ببساطة لا تسير وفق السيناريو المرسوم لها، فقد كان يُفترض أن تنهار خلال أسابيع.

ففي تجارب سابقة، انهارت أنظمة حزب البعث في العراق وسوريا، وكذلك نظام الجماهيرية في ليبيا، خلال ساعات من سقوط قادتها صدام حسين، وبشار الأسد، ومعمر القذافي.

كانت تلك الأنظمة هشة لأنها بُنيت حول شخصيات حكامها، وفي سوريا، بالكاد أُطلقت رصاصة واحدة أثناء الإطاحة بالأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

صلابة غير متوقعة

غير أن الحال مختلف تماماً في إيران، فعلى الرغم من اختراقات جهاز الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية، وحملات الاغتيال الدقيقة التي طالت قيادات في حزب الله وحماس مراراً، لا يزال نظام القيادة والسيطرة في إيران متماسكاً.

وفي إيران أيضاً، ليس ثمة جماعة سياسية أو عرقية منافسة قادرة على فرض نفسها، أو حتى المطالبة بالحكم الذاتي في أي جزء من البلاد، بل إن الأكراد الإيرانيين نفوا تقارير تحدثت عن تزويدهم متظاهرين بأسلحة أميركية خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني.

لقد تبيّن أن البنية المؤسسية للجمهورية الإسلامية أكثر مقاومة للقصف والاغتيالات من أي نموذج سياسي عرفه الشرق الأوسط، فبدلاً من أن تكون “ثمرة سهلة” كما تخيّل رئيس الموساد ديفيد بارنياع مطلع هذا العام، أثبتت إيران قدرة مذهلة على الصمود.

لا يعني هذا بالتأكيد أن الداخل الإيراني نسي ما حدث في يناير/كانون الثاني، فهناك جدل محتدم داخل الجاليات الإيرانية في الخارج بين من يدين الحرس الثوري لإطلاقه النار على المتظاهرين بأسلحة ثقيلة، ومن يحتفي بسقوط الصواريخ على تل أبيب.

لكن الغضب الشعبي من محاولة ترامب تحطيم البلاد بالقوة يبدو أقوى من كل تلك الانقسامات، ويمكن القول إن الدعم للثورة داخل إيران قد تجدد بفعل ما يُنظر إليه كبطولات جيل جديد من المقاتلين الإيرانيين.

هذا الصمود لم يبقَ محصوراً داخل إيران، بل بدأ يُلهم دولاً عربية كانت إما محايدة أو إيجابية تجاهها، أما الدول التي كانت تعاديها بسبب تدخلاتها الطائفية، فقد شهدت تحوّلاً لافتاً عبر المنافسة على من يقدم دعماً أكبر لفلسطين.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تشهد سوريا الأسبوع الماضي احتجاجات واسعة ضد قانون الإعدام الذي أقرّه كنيست دولة الاحتلال بحق الفلسطينيين المدانين بـ “الإرهاب”.

فقد اندلعت المظاهرات في دمشق، وامتدت إلى درعا والقنيطرة وحلب واللاذقية وحمص وإدلب، وامتلأت جامعة حلب بآلاف الطلاب الذين رفعوا الأعلام السورية والفلسطينية، وهتفوا: “بالروح بالدم نفديك يا فلسطين”.

غضب يتصاعد في الإقليم

للتذكير فقط، هذه المدن نفسها كانت ساحات قتال خلال الحرب السورية، حيث كانت الميليشيات المتمردة تواجه حزب الله والحرس الثوري على الأرض، وروسيا في الجو.

غير أن الاحتجاجات الأخيرة عكست غضباً متزايداً من احتلال الدولة العبرية لأجزاء من جنوب سوريا، كما تزامنت مع موقف إيران وتصديها للطيران الحربي الذي يستخدم الأجواء السورية ممراً له.

في القنيطرة، تتنامى مقاومة الاحتلال، وقد اقترب بعض المتظاهرين من خطوط التماس، ما دفع قوات الاحتلال إلى إطلاق قنابل مضيئة، وفي اليوم نفسه، قصفت قوات الاحتلال مركبة في ريف القنيطرة، ما أدى إلى استشهاد من فيها.

أما في الأردن، فيتنامى الغضب أيضاً، رغم أن الملك يتبنى موقفاً موالياً للغرب ومعادياً لإيران، وعلى خلاف والده الملك حسين، الذي كان يجيد إدارة التوازنات، تبدو نشأة الملك عبد الله الثاني في بريطانيا والولايات المتحدة وكأنها ظهرت في أكثر اللحظات حساسية في تاريخ بلاده.

قرار دولة الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى، الذي تضطلع الأردن بوصايته، فجّر موجة غضب عارمة، لكن الرد الرسمي جاء عبر الاعتقالات، وفرض حظر شامل على التظاهرات المؤيدة لفلسطين، مع نشر قوات الأمن حول المساجد لضمان تنفيذ القرار.

وفي مشهد لافت، هتف مشجعو فريق كرة سلة أردني: “الأقصى في قلبي، إليه سنمضي، نصلي في ساحاته ونشرب من مياهه”.

ولم يكن ذلك مجرد شعار عابر، إذ كتب الصحفي الأردني علي يونس أن “الغالبية العظمى من الأردنيين تؤيد إيران ضد دولة الاحتلال والولايات المتحدة في هذه الحرب، وإن لم تعلن ذلك خوفاً من الاعتقال”.

وللأردن أهمية خاصة ماثلة في كونه ثاني دولة عربية تعترف بدولة الاحتلال بعد مصر عام 1994، حيث يشير محللون إلى مفارقة لافتة بين خطاب السلام الذي تتبناه دولة الاحتلال والولايات المتحدة عبر “اتفاقيات أبراهام”، وبين واقع الكراهية المتصاعد في الشارع العربي.

فدولة الاحتلال، بحسب هذا التحليل، عادت لتُصنَّف كعدو مركزي للعرب، حتى في الدول التي وقّعت اتفاقيات سلام معها، مثل مصر والأردن، بل وحتى داخل الإمارات والبحرين.

ولا يمكن اختزال هذا الغضب المتصاعد في الشارع العربي في مشاهد العامين الماضيين من العدوان المتواصل على غزة ولبنان، ولا في الإذلال الذي شعر به العرب، أو الغضب الشعبي من استمرار بريطانيا وأوروبا في تزويد دولة الاحتلال بقطع الطائرات والنفط، ومنحها حصانة فعلية من المحاسبة الدولية.

بل هو أيضاً رد فعل مباشر على التهديد الوجودي الذي باتت تمثله دولة الاحتلال لكل من يعيش في محيطها، في سوريا ولبنان والأردن ومصر.

ولم يكن هذا التحول نتيجة عرضية لقرار ترامب ورئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو شن الحرب على إيران، بل هو ثمرة استراتيجية إيرانية مُعدّة مسبقاً، أعلنت عنها طهران مراراً عقب تعرضها لهجوم العام الماضي.

فقد حذّر الدبلوماسيون الإيرانيون، مراراً، من أن أي هجوم جديد سيجعل العالم بأسره يدفع الثمن، وقد أوفت إيران بهذا التهديد، فبينما أثارت الإبادة الجماعية في غزة موجة غضب أخلاقي واحتجاجات عالمية، إلا أنها لم تؤثر بشكل مباشر في حياة معظم الناس.

أما إغلاق مضيق هرمز وإجبار دول الخليج على وقف إنتاج النفط والغاز، فقد مسّ حياة كل مستهلك للطاقة في العالم، ولا تزال تداعياته تعصف بالأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار الديزل في أوروبا بنسبة 30% منذ بدء الهجوم على إيران.

بهذا المعنى، منح هجوم ترامب إيران سلاحاً أشبه بأسلحة الدمار الشامل، أكثر فاعلية وفورية من تخصيب اليورانيوم أو الصواريخ الباليستية.

لقد كان الاعتقاد السائد قبل الحرب أن إيران تحتاج مضيق هرمز لتصدير نفطها بقدر حاجة السعودية والإمارات والكويت وقطر إليه، لكن هذا التصور ثبت أنه خطأ قاتل.

ومهما كانت التطورات القادمة، فمن غير المرجح أن تتخلى إيران عن هذه الورقة الجديدة مقابل مجرد وقف لإطلاق النار، يمكن لنتنياهو أن ينقضه في أي لحظة عبر اغتيال جديد.

وقد بدا ذلك واضحاً في ردود الفعل الغاضبة داخل إيران تجاه مقترحين للسلام انهارا خلال الأسبوع الماضي.

مقترحات السلام… ورفض داخلي حاد

فقد دعت خطة باكستان إلى وقف فوري لإطلاق النار مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، على أن يتم التوصل إلى اتفاق شامل خلال 15 إلى 20 يوماً، في المقابل، اقترح وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف أن تعرض إيران تقييد برنامجها النووي وإعادة فتح المضيق مقابل رفع العقوبات الدولية.

لكن الرد داخل إيران كان قاسياً، إذ اتهمه التيار المحافظ بالخيانة، بل وهدده البعض بالإعدام، وقال سعيد حداديان، المقرب من المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي: “أنت تتحدث هراء، ولا يحق لك تقديم وصفات للجمهورية الإسلامية، لديك ثلاثة أيام للتوبة والتراجع عن تصريحاتك”.

ظريف، الذي كان مهندس الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، يدرك جيداً أن إيران التزمت بذلك الاتفاق، بينما لم تفِ الولايات المتحدة بتعهداتها، بل زادت العقوبات عليها، لذلك، لم يعد في موقع يمكنه إقناع خصومه بتكرار التجربة.

ويشير محللون إلى أن إيران لم تعد تنظر إلى مضيق هرمز كورقة تفاوض لإنهاء الحرب، بل كأداة لإدارة ما بعدها، فإذا كان لا يمكن فتح المضيق بالقوة العسكرية، فهذا يعني أنه لن يُفتح إلا بموافقة إيران، وعندها، سيكون على المجتمع الدولي أن يختار: إما التفاوض معها بشكل جماعي، أو التعامل معها دولةً دولة.

وفي كلتا الحالتين، لن تتخلى إيران عن قبضتها على أسعار الطاقة العالمية دون مقابل مالي كبير ومستدام وقابل للتحقق، بل إن العوائد التي قد تحققها من رسوم المرور عبر المضيق قد تتجاوز عائدات النفط نفسها.

وقد طرحت إيران بالفعل عرضاً مضاداً يقضي بفرض رسوم تصل إلى مليوني دولار على كل ناقلة، تُقسَّم مع سلطنة عمان، وهو ما رفضه ترامب.

وهذا يفسر تردد دول الخليج في الانخراط في التصعيد العسكري، رغم محاولات الإمارات والبحرين دفع المنطقة نحو المواجهة، إذ تدرك هذه الدول أن إيران ستبقى جارتها بعد انتهاء الحرب، مهما كانت نتائجها.

خسائر الخليج… واستدارة محتملة نحو الشرق

رغم أن دول الخليج حاولت ثني ترامب عن مهاجمة إيران، إلا أن منشآتها النفطية ومطاراتها وقطاعها السياحي تعرضت لضربات متواصلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

وفي النهاية، تجد هذه الدول نفسها أمام حصيلة كارثية، صناعات النفط والغاز تضررت بشدة، والقواعد العسكرية الأميركية على أراضيها لم توفر الحماية، وقد تلقت خسائر بمليارات الدولارات في التجارة والسياحة، أما الاستثمار الضخم في ترامب وعائلته فلم يحقق أي عائد يُذكر.

ومع ذلك، يبدو أن ترامب يستعد للانسحاب، معلناً النصر، كما اعتاد أن يفعل، وهذا الواقع قد يدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في تحالفاتها، والتوجه نحو الصين كشريك أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ، فإذا انسحب ترامب من هذه الحرب، فإنه سيترك إيران في موقع استراتيجي أقوى مما كانت عليه قبل اندلاعها.

حلم “إسرائيل الكبرى” يتهاوى

لطالما سعى نتنياهو إلى تحقيق حلمه بضرب إيران، وهو الهدف الذي كرّس له مسيرته السياسية، لكن المفارقة أن هذا الحلم، عند تحققه، أدى إلى نتيجة معاكسة تماماً: توحيد العرب والإيرانيين، سنة وشيعة، أغنياء وفقراء، في مواجهة مشتركة.

وقد لا يطول الوقت قبل أن تتحول أنظار نتنياهو شمالاً، نحو تركيا، ضمن مشروعه التوسعي، بدءاً من جنوب سوريا، لكن ما لم يدركه بعد هو أن مشروع “إسرائيل الكبرى” قد تحطم فعلياً في إيران.

إذ لا يمكن لأي شعب عربي أن يقبل بهذا المشروع، كما أن دولة الاحتلال قد تجد نفسها عاجزة عن إدارة المناطق التي تسيطر عليها، في ظل استنزاف مواردها، فضلاً عن أن اعتمادها التاريخي على أنظمة عربية مستبدة لاحتواء الشارع لم يعد ضمانة دائمة، فانهيار نظام عربي واحد إضافي قد يغير المشهد الإقليمي بالكامل.

يرى محمد البرادعي، أحد أبرز وجوه ثورة 2011 في مصر، أن الربيع العربي لم ينتهِ، بل دخل في حالة كمون، لكن عوامل الانفجار المتمثلة في الفقر والظلم والفساد أصبحت اليوم أكثر وضوحاً.

وإذا اندلع الربيع العربي مجدداً، فلن تكون هناك قوى إقليمية قادرة على احتوائه كما حدث في 2013، وقد تصبح الحدود الشمالية والشرقية لدولة الاحتلال مفتوحة أمام موجات من المقاتلين القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، من سوريا إلى اليمن والسودان.

لذلك، فإن ترك إيران مدمرة قد لا يكون الخيار الأكثر حكمة لترامب ونتنياهو، حتى في لحظة نشوة عسكرية، فانتصارهما إن تحقق قد يكون قصير العمر.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن ما يحدث اليوم يؤكد توقعات يحيى السنوار، قائد حركة حماس، الذي أطلق هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين راهن على أن هذا الصراع الممتد منذ قرن لن يبقى كما كان.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة