ترجمة وتحرير موقع بالعربية
في لحظة درامية تكشف هشاشة الحسابات السياسية والعسكرية، نام الإسرائيليون مساء الثلاثاء تحت وطأة تهديد أمريكي بمحو الحضارة الإيرانية، ليستيقظوا بعد ساعات قليلة على خبر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع الجمهورية الإسلامية.
وبعد إعلان ترامب، سارعت وسائل إعلام إيرانية إلى نشر عشرة بنود قالت طهران إنها وافقت عليها ضمن اتفاق التهدئة.
ومن بين هذه البنود: الوقف الكامل للأعمال العدائية، والسماح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم، وضمان حماية حلفائها، والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء الهجمات الأمريكية المشتركة مع الاحتلال، إضافة إلى فرض رسوم على كل سفينة تعبر مضيق هرمز”.
وإذا ما تحولت هذه البنود إلى أساس لاتفاق دائم بين واشنطن وطهران، فإن من شأن ذلك ذلك أن يشكل نهاية المسيرة السياسية لرئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وفق تحليل سياسي يتناول تداعيات الحرب الأخيرة.
هذا السيناريو، الذي يشير إلى نهاية مغايرة تمامًا لما سعى إليه نتنياهو، لا يهدد مستقبله السياسي فحسب، بل يضرب أيضًا إرثه الذي بناه على مدى عقود، خاصة وأن تقارير صحفية أكدت أنه كان المحرك الأساسي للحرب، بل ومن جرّ الولايات المتحدة إلى الانخراط فيها.
إيران تخرج أقوى
في حال قبول الولايات المتحدة بهذه البنود، فإن إيران ستخرج من الحرب أقوى مما كانت عليه قبل اندلاعها، وهو ما يتناقض جذريًا مع الهدف المركزي الذي أعلن عنه نتنياهو منذ بداية الحرب في 28 فبراير/شباط، والمتمثل في إسقاط النظام الإيراني.
ومع تعثر هذا الهدف، حاول نتنياهو لاحقًا إعادة صياغة أهداف الحرب، ساعيًا على الأقل إلى تحجيم قوة إيران الإقليمية، وتجريدها من موقعها كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط، إلا أن مجريات الصراع جاءت بعكس ذلك.
فالنظام الإيراني لا يزال صامدًا، ويواصل إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، كما يحتفظ بقدراته الصاروخية، ويملك إمكانية استئناف برنامجه النووي، فضلًا عن بسط نفوذ متزايد على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
يجعل هذا التحول من إيران مرشحة لأن تصبح القوة الإقليمية الأبرز في المنطقة، وهو ما يمثل ضربة قاصمة لنتنياهو، الذي لطالما قدّم إيران بوصفها “العدو الأول” لدولة الاحتلال والهيمنة الغربية.
تداعيات على التحالفات الإقليمية
على مدار ثلاثة عقود، حذر نتنياهو من “الخطر الوجودي” الذي تمثله إيران، إلا أن الحرب الأخيرة قد تفضي إلى نتيجة معاكسة، حيث تتعزز مكانة طهران بدلًا من إضعافها.
ولا يقتصر تأثير ذلك على داخل دولة الاحتلال، بل يمتد إلى الإقليم، إذ قد تهدد نتائج الحرب مستقبل اتفاقيات “أبراهام” التي سعت إلى تطبيع العلاقات بين دولة الاحتلال وبعض الدول العربية دون حل القضية الفلسطينية.
ذلك أن الدول الخليجية، التي كانت من أبرز المستفيدين من تلك الاتفاقيات، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يتمثل في صعود إيران وسيطرتها على مفاصل حيوية، ما قد يجعل هذه الدول مضطرة تدريجيًا للتعامل مع طهران لضمان مرور صادراتها من النفط والغاز.
كما أن هذه الدول لم ترد على الهجمات الإيرانية التي طالت أراضيها خلال الحرب، ما كشف عن محدودية قدرتها الدفاعية، رغم تحالفها مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يبدو أن الاعتماد الكامل على واشنطن وتل أبيب في ضمان الأمن الإقليمي بات موضع شك، مع احتمال انتقال تدريجي نحو نظام إقليمي أقل خضوعًا للهيمنة الأمريكية.
لبنان… إخفاق آخر
ويشكل الملف اللبناني بدوره إخفاقًا إضافيًا لنتنياهو، إذ روّج هو وجيش الاحتلال سابقًا لفكرة القضاء على حزب الله، غير أن الواقع الميداني أظهر عكس ذلك.
فبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تم تسويق “نصر كامل” على الحزب، مع التأكيد على تدمير قدراته العسكرية وإنهاء تهديده.
غير أن التطورات اللاحقة كشفت عن استمرار قوة الحزب، حيث شن هجمات صاروخية مكثفة على أهداف داخل الأراضي المحتلة، بمعدل يقارب 200 صاروخ يوميًا، ما شلّ مناطق واسعة في الشمال.
كما أظهرت تسريبات عسكرية أن جيش الاحتلال قلّل بشكل كبير من تقدير قوة الحزب، وهو ما فاجأ حتى القيادات العسكرية.
ومع مطالبة إيران بضم لبنان إلى اتفاق وقف إطلاق النار، يخشى نتنياهو من تكريس إخفاق جديد، خاصة إذا ما أدى ذلك إلى منح محور المقاومة، الذي يضم حزب الله وأنصار الله في اليمن وفصائل عراقية، اعترافًا دوليًا غير مسبوق.
واليوم يواجه نتنياهو مأزقاً سياسياً داخلياً معقداً بسبب فشله في تحقيق أهدافه العسكرية الكبرى، سواء بإسقاط النظام الإيراني أو القضاء على حزب الله، وضعه في مأزق سياسي داخلي معقد.
ذلك أن استطلاعات الرأي لم تُظهر أي تحسن في شعبيته خلال الحرب، بل تشير إلى تراجع حاد، حيث لا تحظى حكومته الحالية سوى بنحو 50 مقعدًا، أي أقل بكثير من الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة.
وفي ظل هذا الواقع، يواجه نتنياهو غضبًا متزايدًا حتى من قاعدته اليمينية، خاصة مع صعود قوى سياسية بديلة داخل التيار نفسه.
كما أن الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران لا يمثل مجرد خسارة سياسية، بل قد يكون ضربة قاضية لإرثه، الذي قام على فرض الهيمنة العسكرية لدولة الاحتلال في المنطقة.
خطر التصعيد مجددًا
ورغم إعلان وقف إطلاق النار، يواصل جيش الاحتلال قصفه للبنان، في خطوة تعتبرها إيران انتهاكًا للاتفاق، ما يهدد بانهيار الهدنة.
وفي ظل هذا التوتر، قد يسعى نتنياهو، مدفوعًا بحسابات داخلية، إلى إفشال الاتفاق وإعادة إشعال الحرب، في محاولة لإنقاذ مستقبله السياسي.
غير أن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل تزايد الانتقادات داخل الولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى نتنياهو باعتباره من دفع إدارة ترامب إلى خوض هذه الحرب.
وفي هذا السياق، قد تفسَّر إشارات نتنياهو الأخيرة إلى استعداده للتفاوض المباشر مع لبنان على أنها نتيجة ضغوط أمريكية، ومحاولة لاحتواء تداعيات الأزمة.
لكن المؤكد، وفق هذا التحليل، أن نتنياهو لن يتوقف عند حد في سبيل الحفاظ على إرثه السياسي، حتى لو كان الثمن إعادة إشعال حرب إقليمية واسعة.
للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)







