ترجمة وتحرير موقع بالعربية
في 6 أبريل الحالي، وقع انفجار في جامعة الهندسة الكبرى في إيران، جامعة شريف للتكنولوجيا، ورغم أنه لم يتم الإبلاغ عن وقوع إصابات، ولكن العديد من المباني تضررت ولا سيما تلك التي تضم مركزاً للذكاء الاصطناعي، فقد أوضح رئيس الجامعة بأن مركز الذكاء الاصطناعي المستهدف يضم قواعد بيانات مهمة، وأن موظفيه أمضوا العامين الماضيين في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة الفارسية.
غالباً ما يتم تشبيه جامعة شريف للتكنولوجيا بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في الولايات المتحدة، حيث يبلغ عمرها عقوداً من الزمن، وهي تعتبر واحدة من كليات الهندسة الرائدة في غرب آسيا، ومن بين خريجيها مريم ميرزاخاني، التي أصبحت أول امرأة وأول إيرانية تحصل على وسام فيلدز، وهي الجائزة المرموقة في الرياضيات، في عام 2014.
لقد أدت العقوبات الأمريكية إلى حرمان إيران من المعرفة البحثية العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، لذلك فعل الإيرانيون كل ذلك بمفردهم، لكن أمير حسين، وهو طالب يعمل في المركز، صرح لميدل إيست آي بأن معظم معداته دمرت الآن، فقال: “كنا نعمل على تطوير خدمات معالجة البيانات والمنصات القائمة على المعرفة للجامعات في جميع أنحاء البلاد، ومثل هذه الهجمات تشير إلى أن الهدف هو دفع إيران إلى الوراء علمياً”.
“هل يمكن لأحد أن يشرح لماذا يجب استهداف فلسفة العلوم؟ هل المشكلة في الفلسفة أم في العلم نفسه؟ يبدو أن الهدف الحقيقي هو استهداف القدرة على التفكير” – مرتضى- طالب إيراني في لقاء مع ميدل إيست آي
أما مرتضى (42 عاماً)، وهو طالب فلسفة علوم بالجامعة، فقال لميدل إيست آي بأنه لم يتمكن من رؤية الأضرار التي لحقت بالحرم الجامعي بشكل مباشر: “حتى رؤية الصور كانت مزعجة للغاية”.
بعد الهجوم مباشرة، استجاب الأكاديميون والطلاب، الذين كانت قد تأثرت أعمالهم لفترة طويلة بالعقوبات الأمريكية حتى من قبل أن تبدأ القنابل في التساقط على أماكن عملهم وفصولهم الدراسية، بالتحدي، فقد استأنف الطلاب دروسهم عبر اتصالات الإنترنت رغم عدم انتظامها، حيث تم تداول مقطع فيديو لأستاذ الرياضيات وهو يقوم بإعداد جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به في الفصل الدراسي الذي تعرض للقصف لإلقاء محاضرة عبر الإنترنت.
وفي منشور على موقع اكس، اتهم محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، الولايات المتحدة بإسقاط قنبلة خارقة للتحصينات على الجامعة، فقال: “ترامب لا يفهم أن معرفة إيران ليست مدمجة في الخرسانة ليتم تدميرها بالقنابل، فالحصن الحقيقي هو إرادة أساتذتنا ونخبنا”.
تجاهل القانون الدولي
وتأتي الغارة على جامعة شريف في أعقاب سلسلة من الهجمات التي استهدفت مراكز الأبحاث، فخلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أصبحت المؤسسات الأكاديمية، ومن بينها أفضل الجامعات التكنولوجية والهندسية في البلاد، أهدافاً للضربات، حيث أفادت وزارة العلوم والتكنولوجيا الإيرانية بأن 30 جامعة على الأقل تعرضت لإطلاق النار، فوفقاً للجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط (BRISMES)، فقد تعرض ما لا يقل عن 16 جامعة ومركز أبحاث لأضرار.
في 28 مارس الماضي، تعرضت الجامعة الإيرانية للعلوم والتكنولوجيا، التي تأسست عام 1929 لتدريب المهندسين، لهجوم أمريكي إسرائيلي، حسبما ذكرت وسائل الإعلام المحلية، ولا يزال حجم الأضرار وعدد الضحايا غير واضح.
وبعد يوم واحد، تعرضت جامعة أصفهان للتكنولوجيا (IUT)، إحدى جامعات الهندسة المرموقة في البلاد، للهجوم للمرة الثانية، حيث ذكرت وكالة أنباء فارس الإيرانية بأن العديد من مبانيها أصيبت بأضرار، بينما أصيب 4 من موظفيها.
يذكر أن جامعة أصفهان هي التي أنتجت مشروع الرادار الوطني للبلاد وصممت ونفذت أول غواصة إيرانية، ففي عام 2015، احتلت جامعة شريف والجامعة الإسلامية للتكنولوجيا المرتبة 40 و63 على التوالي، في تصنيفات تايمز للتعليم العالي لأفضل 100 جامعة عالمية تحت سن 50 عاماً.
وفي 2 أبريل الحالي، ضرب صاروخ معهد باستور الإيراني الذي يعود تاريخه إلى قرن من الزمان، وهو منشأة رئيسية للصحة العامة والأبحاث، مما أدى إلى تحويل مختبرات إنتاج اللقاحات إلى أنقاض، وبعد أيام، تعرض مختبر أبحاث البلازما والليزر في جامعة شهيد بهشتي في طهران للقصف أيضاً، بالإضافة إلى عيادة التلقيح الاصطناعي في مستشفى غاندي في طهران.
وقد استهدفت الضربات الصاروخية أكاديميين بعينهم أيضاً، حيث ذكرت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن الدكتور سعيد شمغادري، الأستاذ المشارك في قسم الهندسة الكهربائية في الجامعة الإسلامية للتكنولوجيا، قُتل في غارة جوية مع عائلته في 22 مارس الماضي.
في حديثه لميدل إيست آي، أشار رئيس لجنة BRISMES المعنية بالحرية الأكاديمية، لويس تورنر، إلى أن نمط الهجمات يذكرنا بالاتجاه السائد في الهجوم الإسرائيلي على غزة، والذي أدى إلى القضاء على نظام التعليم في القطاع إلى حد كبير، فقال: “يبدو أن هناك تجاهلاً واسع النطاق للوضع المحمي للجامعات بموجب القانون المتعمد، وقد ترقى هذه الأفعال إلى جرائم حرب”.
وحذر تيرنر من أن الضرر الذي سوف يلحق بالمجتمع الأكاديمي في إيران سوف يكون محسوساً بعد سنوات، فقال: “كم عدد الأجيال التي سوف تحرم من التعليم بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الجامعية؟ فهذا النوع من التدمير سيكون له آثار محتملة طويلة المدى وعميقة على المجتمع الإيراني، وذلك بسبب طبيعة الأدوار التي تلعبها الجامعات داخل المجتمع من أجل تقدم المعرفة”.
“الهدف الحقيقي هو استهداف القدرة على التفكير”
وتشترك المؤسسات التعليمية المستهدفة في شيء واحد، فهي جميعها تضم مراكز بحث علمية وتكنولوجية، وليست منشآت عسكرية كما يدعي الأمريكيون، وتلك حقيقة يدركها طلاب مثل مرتضى وأمير حسين.
يقول مرتضى في حديثه مع ميدل إيست آي: “هل يمكن لأحد أن يشرح لماذا يجب استهداف فلسفة العلوم؟ هل المشكلة في الفلسفة أم في العلم نفسه؟ يبدو أن الهدف الحقيقي هو استهداف القدرة على التفكير”.
وتأتي الهجمات بعد عقود من العقوبات الاقتصادية، التي خنقت الأكاديميين الإيرانيين من خلال تقييد التعاون الدولي ومنع الطلاب من السفر لحضور المؤتمرات، فقد أوضح رضا سهرابي، وهو زميل باحث في جامعة طهران، لموقع ميدل إيست آي: “إن عدم وجود اتصالات مع الجامعات الدولية أمر صعب، فهو يعني أن الطلاب لا يستطيعون حتى الذهاب إلى مدرسة صيفية في الخارج أو في برامج التبادل”.
وقد أفادت التقارير بأن العقوبات دفعت بعض المحررين إلى رفض الأوراق البحثية المقدمة من ممارسي الطب الإيرانيين، في حين أفاد بعض العلماء بأنهم واجهوا مشاكل في دفع اشتراكات المجتمع وتسجيل الأحداث.
“تواصل إسرائيل حملة قمع أوسع على الجامعات من خلال إبادة هذه الأماكن بالكامل، فهذه الاستراتيجية، التي يمكن وصفها بأنها شكل من أشكال الإبادة المدرسية المشابهة لما شهدناه بالرعب في غزة والآن في لبنان، تسعى إلى استبعاد احتمالات البدائل السياسية، مما يؤدي في النهاية إلى تقويض آفاق الديمقراطية في إيران” – أسامة عبدي- زميل ما بعد الدكتوراه في معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر
واليوم، يعاني الطلاب الإيرانيون من تعرض مؤسساتهم للهجوم، فأصبحوا يضطرون إلى الاعتماد على اتصالات الإنترنت غير المستقرة لمواصلة دراستهم.
يقول سهرابي: “ليس من السهل الدراسة والعمل والبحث أثناء الحرب، فأنا أحاول إعداد أطروحتي ورسالتي وأوراق بحثية أخرى، لكن الأمر ليس سهلاً، لأنك تحتاج إلى موارد مختلفة مثل الإنترنت، وقد كنت أذهب إلى المكتبة للدراسة، لكنها مغلقة بسبب الحرب”.
من جانب آخر، شدد أسامة عبدي، وهو زميل ما بعد الدكتوراه في معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر، خلال حديثه مع ميدل إيست آي، على أن الهجمات هي محاولة لإنهاء العمل الذي لم تتمكن العقوبات من إنجازه وكبح التطور التكنولوجي الإيراني، فقال عبدي: “لطالما كانت هذه الجامعات بمثابة العمود الفقري لإنتاج المعرفة في إيران، فضلاً عن التنمية الصناعية والتقدم التكنولوجي، وأية قدرات تكنولوجية لا يتمكنوا من تعطيلها أو تقليصها من خلال العقوبات، يتم الآن تدميرها بالكامل من خلال القصف”.
وأضاف: “إنه نمط استعماري لمحاولة تخريب سيادة المعرفة والاستقلال التكنولوجي، مما يقوض في نهاية المطاف قدرة الدولة على المدى الطويل على البقاء ذات سيادة في إنتاج المعرفة والتطوير التكنولوجي”.
أشار عبدي في حديثه إلى التاريخ الطويل للاحتجاجات الطلابية في إيران، لا سيما في عهد الشاه ومؤخراً في فبراير الماضي، عندما برزت الجامعات كساحة معركة رئيسية في الاحتجاجات المناهضة للحكومة.
قال: “طوال تاريخ إيران الحديث، كانت الحركات الطلابية والجامعات مركزاً للتعبئة المناهضة للسلطوية والإمبريالية، فالمساحات المادية للجامعات مهمة أيضاً كما هو الحال في هذه المساحات المادية حيث يتم تبادل الأفكار وتتشكل التخيلات السياسية”.
بعد سقوط الشاه وسلالة بهلوي، ظلت الجامعات معقلاً للجماعات القومية واليسارية، ففي 14 يونيو عام 1980، قامت القيادة الإسلامية الجديدة بإغلاقها فيما أصبح يعرف باسم الثورة الثقافية، وعندما أعيد فتح الجامعات في عام 1983، تم طرد جميع الطلاب والأساتذة الذين عارضوا الأحكام الإسلامية، كما أنشأت السلطات “الباسيج الطلابي” لمراقبة ومراقبة نشاط الحرم الجامعي.
خلال الاحتجاجات التي عمت البلاد هذا العام، أعلنت الحكومة بأنها سوف تنقل الدروس الجامعية عبر الإنترنت، وهي خطوة اعتبرها الكثيرون محاولة لقمع التعبئة الطلابية المتزايدة.
يرى عبدي أن الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي للمؤسسات الأكاديمية الإيرانية هو امتداد لحملة القمع الحكومية، مما يقضي بشكل فعال على إمكانية تطوير بدائل سياسية للمؤسسة الحالية، فقال: “تواصل إسرائيل حملة قمع أوسع على الجامعات من خلال إبادة هذه الأماكن بالكامل، فهذه الاستراتيجية، التي يمكن وصفها بأنها شكل من أشكال الإبادة المدرسية المشابهة لما شهدناه بالرعب في غزة والآن في لبنان، تسعى إلى استبعاد احتمالات البدائل السياسية، مما يؤدي في النهاية إلى تقويض آفاق الديمقراطية في إيران”.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)







