اغتيال الحقيقة في الجنوب… رحيل الصحفية أمل خليل يكشف استهداف الصحافة في لبنان

بقلم ريحان الدين 

ترجمة  وتحرير نجاح خاطر

في الجنوب اللبناني، حيث تختلط الذاكرة بالحرب، وُلدت الصحفية أمل خليل تحت وطأة الاحتلال، لتُغتال بعد أربعة عقود برصاص جيش الاحتلال ذاته، وهي تؤدي رسالتها المهنية في نقل الحقيقة من قلب الميدان.

كانت خليل، المراسلة المخضرمة في صحيفة “الأخبار”، حاضرة في وجدان اللبنانيين، كما وصفها شقيقها علي خليل، الذي قال باكياً عقب اغتيالها: “أمل كانت في كل بيت… وكل بيت في لبنان فقدها”. وأضاف: “تشبه الجنوب بكل تفاصيله… بنسماته ووديانه وجباله وبيوته القديمة”.

عرفها زملاؤها بكرمها وشجاعتها وروحها الريادية، يقول الصحفي الاستقصائي اللبناني حسين شعبان:”كانت سخية حتى مع منافسيها… لم تتردد يوماً في مشاركة معلوماتها وعلاقاتها، وكانت تملك مفاتيح الجنوب كلها”.

استهداف مباشر خلال أداء المهمة

أُغتيلت خليل (42 عاماً) يوم الأربعاء، أثناء توجهها لتغطية غارة سابقة لجيش الاحتلال على بلدة الطيري جنوبي لبنان، وأفادت وزارة الصحة أن ضربة أولى استهدفت مركبة أمامها وأمام المصورة المستقلة زينب فرج، ما دفعهما إلى الاحتماء داخل منزل قريب.

لكن الغارة الثانية استهدفت المنزل ذاته، فأصيبت فرج بجروح في الرأس، فيما مُنع المسعفون من الوصول إلى خليل بعد تعرضهم لإطلاق النار، وبعد ساعات، عُثر عليها شهيدة تحت الأنقاض.

ووصف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام عملية القتل بأنها “جريمة حرب”، مؤكداً أن لبنان سيسعى لملاحقة المسؤولين عنها دولياً.

من جانبه، قال المخرج اللبناني بشير أبو زيد إن “اغتيال أمل هو اغتيال لامرأة مقاومة”، مضيفاً أن دولة الاحتلال استهدفتها “لأنها صحفية مقاومة، لا لمجرد كونها صحفية”.

نشأة تحت الاحتلال ومسيرة تشكلها الحرب

وُلدت أمل خليل عام 1984 في بلدة البيسارية جنوب لبنان، ونشأت خلال الحرب الأهلية وفترة احتلال أجزاء واسعة من الجنوب، وقد روت أنها كانت ترى القرى المحتلة من بعيد في طفولتها، بينما استُعيدت بلدتها قبل وقت قصير من ولادتها.

نشأت على قراءة صحيفة “السفير”، التي ساهمت في تشكيل وعيها بقضايا الناس، من الأسرى والمفقودين إلى تداعيات الحرب، ودرست الأدب العربي في صيدا، ثم انتقلت سراً إلى بيروت حيث انخرطت في النشاط اليساري، وبدأت مسيرتها الصحفية بكتابة مقالات لمجلة “الحسناء”.

انضمت إلى صحيفة “الأخبار” عام 2006، قبيل صدور عددها الأول، واستمرت فيها لنحو 20 عاماً، وبعد أسابيع من انضمامها، اندلعت حرب يوليو/تموز 2006، التي شكّلت نقطة تحول في مسيرتها، حيث انتقلت من تغطية القضايا الثقافية والنسوية إلى توثيق معاناة المدنيين تحت القصف والنزوح.

صحافة المواجهة… بلا خطوط حمراء

اتخذت خليل من مدينة صور مقراً لها، حيث كرّست عملها لمتابعة قضايا الفساد والشأن العام، مؤكدة أنها واجهت تهديدات واعتداءات وضغوطاً متواصلة، لكنها لم تتراجع، وقالت في إحدى شهاداتها: “محاولات كسري لم تتوقف، لكنني لم أنحنِ”.

ورغم أن صحيفة الأخبار عُرفت بتغطيتها الداعمة للمقاومة، شددت خليل على أنها لم تكتب يوماً ضمن قيود، مستذكرة رفض الصحيفة طلباً سابقاً من الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بعدم نشر وثائق “ويكيليكس” عام 2011.

تحولت خليل مع الوقت إلى المراسلة الميدانية الأبرز في الجنوب، تغطي مناطق صور وبنت جبيل والنبطية، وتوثق يومياً تفاصيل الحياة تحت التهديد.

في مواجهة دائمة مع جيش الاحتلال

كانت خليل تدرك أن الصحفيين اللبنانيين أهداف متكررة لجيش الاحتلال، ففي عام 2010، كتبت تأبيناً لزميلها عساف أبو رحال الذي اغتيل بقصف إسرائيلي، واستعادت لاحقاً لحظة تسلمها بطاقته الشخصية الملطخة بالدماء، قائلة: “لن أنسى ذلك اليوم أبداً”.

وفي السنوات الأخيرة، اتجهت لإنتاج محتوى مرئي، متعلمةً مهارات التصوير والمونتاج بنفسها، لكنها كانت ترفض الظهور أمام الكاميرا، مؤكدة: “أنا هنا لأروي قصص الناس، لا لأصبح القصة”.

خلال حرب 2023-2024 على لبنان، وثّقت استهداف المدنيين والبنية التحتية، ومع إعلان وقف إطلاق النار في فبراير/شباط الماضي، واصلت رصد خروقات جيش الاحتلال اليومية.

كما واجهت القوات الإسرائيلية مباشرة في أكثر من مناسبة، أخطرها في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما أُطلقت عليها النار لإجبارها وزملائها على التراجع أثناء تغطية ميدانية.

إرث لا ينكسر

يروي المقربون من خليل أنها لم تعترف يوماً بقيود الاحتلال، ولم تلتزم بتعليماته بشأن تحركاتها، وعن هذا يقول أبو زيد: “لم تكن صحفية تقليدية… حبها للأرض وللناس كان فوق كل شيء”.

ورغم التحذيرات التي تلقتها لتقييد حركتها، أكدت خليل أن إيمانها وتجربتها النضالية دفعتها للوقوف “في وجه الظلم”، مشددة على أن ارتباطها بأهالي الجنوب منذ حرب 2006 كان خياراً صائباً.

وأضافت: “سيزدادون قوة وثباتاً… و سيظلون أوفياء لبوصلة الحقيقة وفلسطين”.

ويرى زملاؤها أن رحيلها يمثل اختباراً قاسياً لمن بقي، إذ قال شعبان: “أمل كانت تتحدى القيود التي يفرضها الاحتلال… وغيابها سيترك فراغاً كبيراً يجب أن نملأه”.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة