بقلم خالد البيه
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
وصلتُ إلى أديس أبابا لحضور مؤتمر يستمر ثلاثة أيام، بعد رحلة مباشرة من أوسلو على متن الخطوط الجوية الإثيوبية، وباعتباري افريقياً فقد شعرت بالفخر، وبالنظر إلى كوني سودانياً فقد غمرني الحنين.
لقد أعادتني شركة الطيران إلى فصول النهاية لشركة الخطوط الجوية السودانية، التي كانت يوماً من أوائل الناقلات في القارة، قبل أن تُفكك بفعل عقود من العقوبات الأميركية والفساد وسوء الإدارة في عهد الرئيس السابق عمر البشير.
وها هي الخطوط السودانية قد عادت مؤخراً إلى العناوين عبر رحلة رمزية بعد أكثر من ألف يوم من الحرب، كإشارة إلى عودة شكلية إلى مدينة لا تزال مدمرة إلى حد كبير.
استقبلتني أديس أبابا بأفق عمراني متوهج، طرق سريعة تمتد بثقة ونظافة، تُظهر مدينة تسعى جاهدة لتقديم نفسها بوصفها “حديثة”، ولولا صور الإثيوبيين الفخورين على اللوحات الإعلانية العملاقة، لظننت نفسي في سنغافورة أو دبي قبل عقدين.
عند وصولي إلى الفندق، كانت الطريق أمامه قد شُقت حديثاً، وبعد ثلاثة أيام، غادرت وقد أُعيد بناؤها وافتتاحها، كانت فرق العمل تختفي كل ليلة قبل منتصف الليل، لتعود قبل شروق الشمس.
وفي خلفية نهاية الأسبوع، كان هناك رجال يرتدون سترات عاكسة ونعالاً خفيفة يعملون إلى جانب نساء مسنات يعتمرن قبعات من القش بجوار جرافات صينية ضخمة يصاحبها غبار ودخان ديزل.
في الأحاديث الجانبية على موائد الطعام وأكواب القهوة، تكرر المشهد ذاته، رغم التمردات المستمرة في بعض أنحاء البلاد، تُعاد صياغة العاصمة بسرعة مذهلة وبشكل متعمد.
بنية تحتية تظهر بين ليلة وضحاها، وأحياء كاملة تُزال وتُعاد هندستها، البعض تحدث عن ارتفاع الضرائب، وآخرون عن تمويل خارجي يصل دون تفسير معلن.
أما الأمن، فكان حاضراً في كل شيء، برسالة غير معلنة: الموافقة اختيارية، أما الامتثال فليس كذلك، وبعد يوم من مغادرتي إثيوبيا، أفادت “رويترز” بتطوير قاعدة عسكرية بتمويل إماراتي داخل البلاد.
وسط الزملاء الأفارقة في المؤتمر، كانت أديس تُقارن كثيراً برواندا، التي طالما وُصفت في الإعلام الدولي بأنها “سنغافورة أفريقيا”.
كثيرون رأوا أن إثيوبيا تجاوزتها بالفعل من حيث الاستعراض نموذجين طموحين في القارة ذاتها، يقودهما زعماء يقدّمون أنفسهم بوصفهم مؤسسين يسعون أولاً إلى ترسيخ الاستقرار وتركيز السلطة، على أن تُؤجَّل الحريات السياسية إلى وقت لاحق، إن جاءت أصلاً.
وبالنسبة لي، وأنا القادم من السودان، لم تكن هذه اللغة غريبة، فقد وعدت أنظمة سلطوية مختلفة بنسخها الخاصة من “التحديث”، كل منها يروّج لسنغافورته المتخيلة لتبرير السيطرة، وهذه النسخة لم تكن سوى الأحدث.
وعود مألوفة
سمعت الخطاب ذاته قبل عام في نيروبي، خلال مؤتمر أعلنت فيه قوات الدعم السريع في السودان ما وصفته بمشروع سياسي انتقالي.
كنت هناك أساعد صحفياً إيطالياً في الترجمة والتغطية، متنقلاً بين سياسيي الميليشيا ومؤثريها على وسائل التواصل، أراقبهم وهم يتدرّبون على لغة الحكم.
خلال استراحة غداء في شرفة مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات، وجدنا أنفسنا إلى جانب القوني دقلو، الخاضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي بسبب إدارته شبكات تسليح لقوات الدعم السريع، والشقيق الأصغر لقائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
كان دقلو محاطاً بحراس كينيين ببدلات رسمية، وجنود من الدعم السريع بزي مموّه، رفض الترجمة، ونظر إليّ بامتعاض بينما ابتسم للصحفي الأوروبي، ثم أشار إلى أفق نيروبي، حيث الازدحام والرافعات التي تعلن توسعاً دائماً، وقال بثقة: “هذا لا شيء، سنجعل الخرطوم مثل سنغافورة”.
جاءت العبارة دون تردد، كما لو أن العنف مجرد خطوة ضرورية نحو الاستقرار، فالديمقراطية ليست نتاج ميليشيات قائمة على سلطة عائلية، ولا هي ما يُتاح للمدنيين السودانيين، الذين فقدوا كل شيء، أن يحلموا به.
لقد جادل مؤسسو سنغافورة علناً بأن الحريات الديمقراطية الليبرالية قد تزعزع استقرار المجتمعات الهشة بعد الاستعمار، وقُدِّم ضبط الحياة السياسية على أنه مسؤولية، فقبل به كثير من المواطنين، مفضلين الأمن والنمو والقدرة على التنبؤ على التعددية.
وكانت النتيجة نجاحاً اقتصادياً لافتاً، وسردية عالمية قوية: التحديث بوصفه انضباطاً، مدعوماً بتسامح جيوسياسي.
أسطورة مستمرة
الإعجاب بنموذج “سنغافورة المُضبوطة” ليس جديداً، فقد سمعته أول مرة في منتصف العقد الأول من الألفية، أثناء دراستي في الإمارات، حين كانت دبي تسعى لتقديم نفسها كعاصمة عالمية ناشئة للتجارة والترفيه.
كانت دبي آنذاك تشبه أديس أبابا اليوم، أفق طموح، وبنية تحتية تتوسع بسرعة، وتركيز على التجارة الدولية في بيئة إقليمية متوترة.
وكان الحياد السياسي جزءاً من استراتيجية النمو، وعندما زرت سنغافورة لاحقاً، لم أُفاجأ كثيراً باستثناء حظر مضغ العلكة ربما، وكأن النموذج كان قد نجح بالفعل.
كما تسللت لغة “التحول إلى سنغافورة” إلى النقاشات حول فلسطين، ففي السنوات الأخيرة، كرر سياسيون أميركيون مقولة: “كان يمكن لغزة أن تصبح سنغافورة”، في تصوير يُحمّل حكم الفصائل وسوء إدارة المساعدات مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
وتظهر تصورات مشابهة في خطط إعادة الإعمار التي تتخيل غزة كمركز ساحلي فاخر أو منطقة تجارة إقليمية، لكن هذه المقارنة أقدم من ذلك.
ففي عام 1988، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” رسالة رأي رأت أن غزة الديمقراطية يمكن أن تصبح “سنغافورة الشرق الأوسط”، وعاد الطرح في منتصف التسعينيات بعد اتفاقيات أوسلو وعودة ياسر عرفات إلى غزة.
في الحالة الفلسطينية، كما في بلدان أخرى وُصفت بأنها “معادية للغرب”، لا تُستخدم عبارة “كان يمكن أن تصبح سنغافورة” كمقارنة اقتصادية بقدر ما تُطرح كتفسير أخلاقي، فهي توحي بأن الازدهار كان متاحاً لكن تم رفضه، وأن المعاناة نتيجة خيار سياسي، لا حصار أو احتلال أو حرب.
غير أن فكرة إمكانية عزل بعض الأماكن عن السياسة بشكل دائم تُختبر اليوم على أرض الواقع، فالحرب الحالية مع إيران نقلت الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى سماء الإمارات نفسها، الدولة التي تُقدَّم غالباً كنموذج للنجاح والاستقرار المُنضبط.
وقد ذكّرت الاعتراضات الجوية فوق دبي وأبوظبي العالم بأن حتى أكثر نماذج الاستقرار هندسةً تبقى ضمن نظام جيوسياسي لا تتحكم فيه بالكامل.
في هذه النقاشات، نادراً ما تكون “سنغافورة” هي المقصودة فعلاً، بل السؤال الحقيقي هو: من يُسمح له بالاستقرار، وبأي شروط؟ إن عبارة “كان يمكن أن يكونوا سنغافورة” ليست سوى صيغة أخرى للقول: لقد اختاروا ألا يمتثلوا.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







