بقلم هشام البستاني
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
عند النظر إلى الأهداف المتغيرة باستمرار للحرب الأميركية المشتركة مع الاحتلال على إيران يتضح أن أياً منها لم يتحقق، بل إن الحملة برمتها قد انتهت إلى فشل كبير.
كانت هذه الأهداف تتراوح بين إشعال اضطرابات داخلية وتغيير النظام، وصولاً إلى تفكيك البرنامج النووي المدني الإيراني، وإنهاء قدرات طهران الصاروخية، وفرض فتح غير مشروط لمضيق هرمز.
ورغم الخسائر البشرية الفادحة، بما في ذلك سقوط عدد كبير من المدنيين واغتيال قيادات من الصفين الأول والثاني، تمكنت إيران من الحفاظ على سلطتها، بل وتعزيزها.
كما خاضت طهران حملة غير متكافئة متدرجة ومستمرة، وضعت من خلالها المنطقة بأكملها تحت الضغط، وأظهرت قدرتها على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية عبر فرض سيطرتها على مضيق هرمز.
وفي ظل إعلان الولايات المتحدة وقف إطلاق النار دون مفاوضات واضحة مع إيران، يمكن تفسير هذه المعطيات بوصفها مؤشراً على انتصار إيراني.
أما الكيفية التي يمكن أن يقدّم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا المشهد باعتباره “نصراً”، فتبدو صعبة الفهم.
ذلك أن سياسات ترامب تنسجم مع نمط أوسع من التهديدات الفارغة، والاستراتيجيات المتقلبة، والخطاب التصعيدي الحاد، الذي وصل حد التلويح بمحو الحضارة الإيرانية.
واليوم، تُقاد الولايات المتحدة من قبل مجموعة يغلب عليها الطابع الاستعراضي والخطاب الذكوري المتشدد، في محاولة للحفاظ على موقع عالمي آخذ في التراجع، غير أن هذه المحاولة تنطوي على مخاطرة بتقويض موقعها أكثر، فيما تعزز عن غير قصد خصومها المعلنين.
لا يعني هذا بالطبع أن ترامب يفتقر إلى الذكاء أو الوعي، بل يبدو أنه يدرك بدقة أن الولايات المتحدة قوة في حالة انحدار، تواجه منافسة متصاعدة، خاصة من الصين.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مارست الولايات المتحدة دوراً تدخلياً حاداً على الساحة الدولية، مستخدمة وسائل علنية وخفية لفرض نفوذها، في كثير من الأحيان متجاهلة القانون الدولي، وما نشهده اليوم ليس جديداً، بل امتداد لأنماط متكررة ظهرت في الشرق الأوسط لعقود.
غير أن أوروبا لم تبدأ في استشعار خطورة هذه السياسات إلا مؤخراً، عندما امتدت الضغوط إليها كما كان عليه الحال في قضية جرينلاند، وهي التي كانت تتغاضى عن هذه السياسات حين كانت تُطبق على مناطق أخرى.
تحولات في الإدراك
في هذا السياق، يبدو أن أجندة ترامب للحفاظ على الهيمنة العالمية تشمل إعادة توطين الصناعات التكنولوجية المتقدمة، والسيطرة على الذكاء الاصطناعي، وتأمين الوصول إلى موارد الطاقة والمعادن النادرة، وتعزيز موقع الولايات المتحدة كمصدر عالمي رئيسي للطاقة.
كما تشمل أجندة ترامب تقليص التزامات الولايات المتحدة تجاه أوروبا، ومحاولة جذب روسيا بعيداً عن الصين، ومنح دولة الاحتلال دوراً أكبر في الشرق الأوسط لتقليل الكلفة الأميركية في المنطقة.
غير أن هذه الاستراتيجية تعاني من خلل بنيوي، جراء نهج مفرط في العدوانية والتمحور حول الذات، ما يعيق تنفيذها بشكل فعّال، وقد أدى ذلك إلى نتائج عكسية، ألحقت أضراراً كبيرة بمكانة واشنطن وأهدافها الاستراتيجية، فضلاً عن تبعات إنسانية خطيرة أسهمت في زيادة عدم الاستقرار العالمي.
وفي الداخل الأميركي، برزت تحولات لافتة، خاصة داخل التيار اليميني، حيث بدأت قطاعات من حركة “ماغا” تعارض سياسات ترامب الحالية، خصوصاً ارتباطها الوثيق بدولة الاحتلال.
ورغم اعتراضات حلفائها في الخليج، يبدو أن إدارة ترامب تأثرت بشكل كبير برئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو ومحيطه، ما دفعها إلى خوض هذه الحرب، بناءً على وعود بانتصار سريع وحاسم لم يتحقق.
ولم يعد الاعتراض مقتصراً على اليسار الأميركي، بل امتد إلى شخصيات يمينية بارزة، مثل الإعلامي تاكر كارلسون، ما يعكس انقساماً متزايداً داخل القاعدة الشعبية لترامب، ويضعف موقعه داخلياً.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن دولة الاحتلال خرجت أيضاً خاسرة من هذه الحرب، حيث تمثلت خسارتها الأبرز في تآكل الدعم الشعبي الأميركي الذي كان يُعد أمراً مسلّماً به.
إخفاقات ميدانية وسياسية
في ساحة أخرى، لم تتمكن دولة الاحتلال من نزع سلاح “حزب الله” بشكل كامل، ورغم توجيه ضربات قوية لقياداته وقدراته العملياتية، فإن الحزب لا يزال قادراً على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومواجهة التوغلات البرية لجيش الاحتلال.
أما الإنجاز الأبرز لدولة الاحتلال، فقد تمثل في تعميق الانقسامات الطائفية داخل لبنان، بالتوازي مع توجه لبناني نحو مفاوضات مباشرة من موقع ضعف واضح، ما يعني تحقيق مكاسب سياسية عبر المسار التفاوضي، بعدما تعذّر تحقيقها عسكرياً.
من جانب آخر، تبدو دول الخليج من بين الخاسرين نسبياً في هذا التصعيد، فبعد استثمارها الكبير في المظلة الأمنية الأميركية، وجدت نفسها أمام واقع يُظهر أن مصالح دولة الاحتلال تتقدم في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن.
كما أن التصعيد أضر بصورة الخليج كبيئة استثمارية مستقرة، وكشف هشاشة بنيته التحتية للطاقة، ومع استمرار الغموض حول مضيق هرمز، والحاجة إلى وقت لإعادة تأهيل القدرات التصديرية، قد تستمر الاضطرابات الاقتصادية، في وقت تستفيد فيه الولايات المتحدة من توسيع حصتها في سوق الطاقة العالمية.
ضرر في السمعة وتداعيات أوسع
في المقابل، يبدو أن مضيق هرمز أصبح فعلياً تحت السيطرة الإيرانية، في نتيجة لم تكن متوقعة لإدارة ترامب، التي خلقت أزمة لم تكن قائمة من قبل، في مثال جديد على الإفراط الاستراتيجي الأميركي، يذكّر بأخطاء سابقة مثل غزو العراق عام 2003، الذي انتهى بتعزيز نفوذ إيران في المنطقة.
كما تعرضت صورة الولايات المتحدة وترامب لضرر كبير على المستوى العالمي، وبينما كانت هذه النظرة سائدة في الشرق الأوسط والجنوب العالمي، بدأت تتجذر أيضاً في أوروبا.
ورغم عدم وضوح ما إذا كان ذلك سيؤثر على موازين القوة السياسية داخل الولايات المتحدة، فإن سياسات ترامب في ولايته الثانية وضعت ضغوطاً كبيرة على منظومة الحكم الأميركية، ما يطرح تساؤلات حول صلابة المؤسسات الديمقراطية.
في المقابل، يبدو أن الحكومة الإيرانية ستخرج أكثر تماسكاً وصلابة، وهو ما يتجلى في موقفها خلال مفاوضات باكستان، وتمسكها بمطالبها الاستراتيجية.
وخلال العقد الماضي، راكمت طهران قناعة بعدم موثوقية واشنطن، بدءاً من انسحابها من الاتفاق النووي عام 2015، مروراً بالعمليات العسكرية خلال مفاوضات سابقة، وصولاً إلى الهجمات الأخيرة أثناء محادثات بوساطة عمانية.
وفي ظل هذه المعطيات، يصعب تصور عودة الثقة بين الطرفين، كما أن صمت أوروبا أو ترددها يضع مصداقيتها موضع تساؤل من وجهة نظر إيران، ومن غير المرجح أن تستمر سياسة المعايير المزدوجة في التعامل مع طهران دون تحديات.
وإذا كان الهدف من الحرب إضعاف النظام الإيراني أو زعزعته، فإن النتيجة حتى الآن جاءت معاكسة تماماً، فقد خرجت إيران أكثر تماسكاً، بينما بدت واشنطن ودولة الاحتلال في موقع الخاسر الاستراتيجي.
أما الخاسرون المباشرون، فهم حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، الذين يواجهون اليوم أعباء إعادة الإعمار، وخسائر محتملة في سوق الطاقة، ومستقبلاً غامضاً لأمن مضيق هرمز.
وهكذا، تكشف هذه الحرب مرة أخرى أن التفوق العسكري لا يضمن الانتصار، وأن الحسابات السياسية قد تقلب موازين القوة رأساً على عقب.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







