من وهم النصر إلى واقع الاستنزاف… إسرائيل في مأزق مع حزب الله

بقلم عبد أبو شحادة

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

مرّت الأسابيع الأخيرة ثقيلة على رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، فبعد ستة أسابيع من آلاف الغارات التي فشلت في تحقيق أهدافها، توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

بالتزامن مع ذلك، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً يصوّر نتنياهو بوصفه الشخصية التي دفعت واشنطن إلى حرب كان يروّج لها باعتبارها قصيرة وسريعة.

وفي الأثناء أيضاً، أخذت قوى أوروبية تنأى بنفسها عن دولة الاحتلال، غير أن الإخفاق الأكبر لتل أبيب يظل في مواجهتها مع حزب الله.

فمنذ الأيام الأولى للحرب، دخل الحزب على خط المواجهة، مثبتاً وخلافاً لتقديرات الاحتلال أنه نجح في إعادة بناء قدراته، ومحتفظاً بقدرته على توجيه ضربات مكثفة لمدن شمال فلسطين المحتلة، ومعرقلاً تقدم جيش الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية.

وزاد الطين بلة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض وقف إطلاق نار بين لبنان ودولة الاحتلال.

واليوم، وبعد أن انخرط مجتمع الاحتلال في خطاب عنيف يقوم على تمجيد القوة العسكرية والدعاية ووعود “النصر الكامل”، تكشف الوقائع عن مشهد أكثر تعقيداً بكثير مما كان يُروَّج له.

للتوضيح، فقد احتاج جيش الاحتلال خلال غزو لبنان عام 1982 إلى أسبوع واحد فقط للوصول إلى بيروت، أما اليوم، فهو يواجه صعوبة في بلوغ نهر الليطاني، حيث لم يتجاوز تقدمه ثمانية كيلومترات من الحدود، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

ورغم مواصلة دولة الاحتلال هجماتها المكثفة على ما تزعم أنه بنى تحتية عسكرية لحزب الله، سارع المعلقون الإسرائيليون في بداية المواجهة إلى الادعاء بأن الحزب وقع في “فخ” نصبه الجيش، مانحاً تل أبيب مبرراً لإنهاء المعركة.

لكن سرعان ما تبيّن أن الجيش نفسه هو من وقع في هذا الفخ، فبرغم حرية الحركة التي يتمتع بها في لبنان، إلا أن قواته فشلت في القضاء على القدرات العسكرية للحزب.

بل وأكثر من ذلك، حيث كشفت تقارير استخباراتية عسكرية عن وجود مراكز قيادة وسيطرة، بل وتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني في العمليات، في تباين عميق مع الروايات الأولى التي كانت تتحدث عن خلايا حرب عصابات معزولة لدى الحزب.

استنزاف متصاعد

وبالنسبة لنتنياهو، فإن ذلك يمثل فشلاً عميقاً، فبعد عامين ونصف من وعود “النصر الكامل”، وبعد موجة النشوة الأولى التي رافقت الحرب على إيران، والتي قُدّمت باعتبارها حملة سريعة ستنتهي بتغيير النظام وقطع الدعم الإيراني عن حماس وحزب الله، تكشف الواقع عن عكس ذلك تماماً.

وجاء التعبير الأوضح عن هذا الفشل من داخل جيش الاحتلال نفسه، الذي أقرّ بأن نزع سلاح حزب الله يتطلب احتلال لبنان بالكامل في عملية قد تستغرق سنوات، في وقت يعاني فيه الجيش نقصاً حاداً في قوات الاحتياط، وإرهاقاً متزايداً نتيجة القتال المستمر.

وفي موازاة ذلك، يشكّل تضخم الميزانية العسكرية عبئاً هائلاً على الاقتصاد، بعدما تضاعفت أكثر من مرة منذ بدء الحرب على غزة.

من هذا الموقع الصعب، وافق نتنياهو أخيراً على الدخول في مفاوضات مع الحكومة اللبنانية، بعد أن كان يرفضها. 

ويبدو أن هذا التحول مرتبط بمحاولة فرض نموذج يشبه ما حدث في الضفة الغربية: مفاوضات طويلة الأمد تصبح غاية في حد ذاتها، بينما تستمر دولة الاحتلال في تغيير الوقائع على الأرض.

داخل حكومة الاحتلال، برز اتجاهان متكاملان: الأول يقوده وزير الحرب يسرائيل كاتس، ويدعو إلى احتلال جنوب لبنان حتى نهر الليطاني بذريعة أمنية، أما الثاني، بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فيذهب أبعد من ذلك، داعياً إلى اعتبار هذه المنطقة حدوداً شمالية لدولة الاحتلال، بل والمطالبة بالاستيطان فيها.

ويجري ذلك بالتوازي مع تهجير مئات الآلاف من المدنيين، وتهديدات بتطبيق سيناريوهات تدميرية مشابهة لما حدث في خان يونس.

ووفقاً لتقرير في صحيفة هآرتس، استناداً إلى شهادات جنود، فإن المواقع العسكرية الجديدة التي أُنشئت في لبنان تشبه تلك التي أقيمت في غزة، ولا تبدو مؤقتة.

وفي ظل تصاعد الضغوط الدولية، يحاول نتنياهو فتح مسار دبلوماسي يوحي بوجود مفاوضات، رغم أن “التفاوض تحت النار” لا يزال يقدّم لمجتمع الاحتلال مشاهد الدمار في لبنان، البلد الذي يمثل جرحاً مفتوحاً في الوعي الإسرائيلي.

عقدة لبنان و”عقلية إسبرطة”

على مدى عقود، شكّل لبنان جبهة مركزية في الذاكرة العسكرية لدولة الاحتلال، فبعد 18 عاماً من الاحتلال (1982–2000) ثم حرب 2006، أصبح لبنان رمزاً للإخفاق، فيما يُنظر إلى حزب الله باعتباره القوة العسكرية التي عجزت دولة الاحتلال عن هزيمتها لأكثر من أربعة عقود.

واليوم، يحاول نتنياهو إعادة تشكيل الواقع عبر تحويل لبنان إلى دولة تابعة، ليس فقط لتحييد النفوذ الإيراني وفصله عن مسار المفاوضات، بل أيضاً لمواجهة النفوذ الفرنسي، مع استغلال الانقسامات الطائفية الداخلية.

وقد ذهب بعض المحللين الإسرائيليين إلى حد اعتبار أن اندلاع حرب أهلية في لبنان قد يخدم مصالح دولة الاحتلال استراتيجياً.

لكن هذا النهج يعكس غروراً استراتيجياً متزايداً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على عقلية “إسبرطة الخارقة”، التي تفترض أن كل مشكلة يمكن حلها بالقوة العسكرية، متجاهلة أدوات السياسة والدبلوماسية.

غير أن هذه المقاربة أثبتت كلفتها الباهظة، فالحرب مع إيران دفعت ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ، وألحقت أضراراً بالاقتصاد والنظام التعليمي، دون تحقيق مكاسب حقيقية.

نهاية وهم النصر

واليوم، بات القرار في يد الحكومة اللبنانية، التي تواجه اختباراً صعباً بشأن مدى استعدادها للتعاون مع دولة الاحتلال، خاصة فيما يتعلق بنزع سلاح حزب الله، وهو مسار قد يتم عبر دمج الحزب في مؤسسات الدولة، أو عبر تنسيق مباشر مع دولة الاحتلال، ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية خطيرة.

وللمرة الثانية خلال عام، يفرض الرئيس الأميركي وقف إطلاق نار على دولة الاحتلال تحت ضغط دولي، ومع ذلك، تبقى سياسات واشنطن متقلبة، كما ظهر في تجاهلها خروقات جيش الاحتلال خلال “هدنة” غزة.

وسط هذه المعطيات، تتكشف حقيقة جوهرية مفادها أن للقوة حدود، ذلك أن مشاريع “إسرائيل الكبرى” تقوم على افتراض استسلام عربي كامل، وهو أمر لم يتحقق.

لقد أظهرت الحرب الأخيرة مجدداً أن الجغرافيا والديموغرافيا لا تزالان عاملين حاسمين، رغم التفوق الجوي لجيش الاحتلال.

واليوم ظهر أن القوة العسكرية أعقد بكثير من مجرد القصف من السماء، كما أن العالم لا يتجه نحو فوضى تُحكم بالقوة وحدها، بل لا تزال الدبلوماسية والعقلانية أدوات لا غنى عنها.

ورغم المخاطر التي تهدد مليارات البشر نتيجة التصعيد الأميركي المشترك مع الاحتلال ضد إيران، ورغم الضغوط العالمية لوقف الحرب، يبدو أن دولة الاحتلال لا تزال متمسكة بوهم “النصر الكامل”، وهو وهم ثبت اليوم أنه بعيد المنال.

للاطلاع على المقال الأصلي (هنا)

مقالات ذات صلة