“الإسلاموفاشية”: المصطلح الذي يشرعن الحروب ويعيد صياغة العدو

بقلم فيصل حنيف

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

في وقت تبدو فيها اللغة جزءًا لا يتجزأ من آلة الحرب، يعود مصطلح “الإسلاموفاشية” إلى الواجهة بقوة، لا بوصفه أداة تحليلية بريئة، بل كسلاح أيديولوجي يُعاد توظيفه لتبرير موجة جديدة من العدوان الغربي في الشرق الأوسط.

فخلال عام 2025، تزايد استخدام هذا المصطلح في وسائل الإعلام الغربية والمدونات بنسبة ملحوظة، ليظهر في صحف ومنصات تمتد من الولايات المتحدة وبريطانيا إلى أوروبا وأستراليا، في محاولة متعمدة لإعادة تأطير الحروب، وفي مقدمتها الحرب على إيران، باعتبارها ضرورة أخلاقية أو “مهمة حضارية”.

غير أن هذا المصطلح ليس وليد اللحظة، فقد نشأ في أجواء ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، داخل أوساط المحافظين الجدد، وكان من أبرز منظّريه الكاتب الأمريكي نورمان بودهورتز، الذي دفع منذ سنوات باتجاه قصف إيران، معتبرًا إياها مجرد جبهة في حرب عالمية، لا دولة لها تعقيداتها أو مجتمعها المتنوع.

وامتداداً لهذا النهج، يواصل ابنه جون بودهورتز اليوم ذات المسار، عبر رسم خطوط وهمية تربط بين ألمانيا النازية والجمهورية الإسلامية في إيران، متحسرًا على “فرصة ضائعة” كان يمكن أن تتحقق لو أن الولايات المتحدة شنّت حربها قبل عقدين.

عند ظهوره، كان المصطلح يُستخدم للإشارة إلى جماعات محددة مثل تنظيم الدولة أو منفذي العمليات الانتحارية، لكن مع مرور الوقت، توسّع ليشمل أطرافًا مختلفة بدءاً من حركات المقاومة الفلسطينية مروراً بدول قائمة وصولًا إلى المجتمعات المدنية وكل من يعبر عن تضامنه مع هذه القضايا.

وهكذا، يصبح الانتماء إلى هذه “الفئة” قرارًا سياسيًا لا توصيفًا علميًا، ما يفتح الباب أمام نزع الحماية المدنية عن فئات واسعة، وتحويلها إلى أهداف مشروعة.

في هذا السياق، لم يتردد رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو في مساواة حركة حماس بتنظيم الدولة، في خطاب يهدف إلى اختزال الصراع وإعادة صياغته ضمن إطار “الحرب على الإرهاب”، بما يمنح سياسات الاحتلال غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

سردية الحرب لا إدارة السياسة

لم تكن هذه الادعاءات مجرد أخطاء عابرة، بل جزءاً من بنية لغوية متكاملة تُستخدم لصناعة مبررات الحرب. 

فعندما ادعى نتنياهو أن مفتي القدس هو من ألهم هتلر فكرة المحرقة، لم يكن الهدف تقديم قراءة تاريخية، بل بناء سردية تربط بين الفلسطينيين والنازية، تمهيدًا لتصوير جرائم دولة الاحتلال بحقهم كـ “دفاع عن النفس”.

وهذه البنية اللغوية ذاتها تُستخدم اليوم ضد إيران، حيث يجري تصوير الاحتجاجات أو التحركات الداخلية باعتبارها دليلًا على “فاشية متأصلة”، بينما تُضخم أعداد  الضحايا وتُوظف لخدمة خطاب سياسي محدد.

وفي مقالات وتحليلات عديدة، جرى تصوير التظاهرات المؤيدة لفلسطين في العواصم الغربية باعتبارها مقدمات لثورات “إيرانية الطابع”، في محاولة لتخويف الرأي العام وتبرير القمع.

إسكات المعارضة وتجريم التضامن

لا يقتصر تأثير هذا الخطاب على الساحات الدولية، بل يمتد إلى الداخل الغربي نفسه، حيث يتم استخدام المصطلح لتجريم المشاركة السياسية للمسلمين، أو حتى التعاطف مع القضية الفلسطينية.

ففي بريطانيا، وُصفت مجتمعات مسلمة بأنها “إسلاموفاشية” لمجرد اعتراضها على مسيرات يمينية متطرفة، بينما جرى تصوير أحزاب سياسية بأكملها كتهديد حضاري، في خلط متعمد بين الهوية الدينية والنشاط السياسي.

بهذا الشكل، يُعاد تعريف أي معارضة أو تضامن على أنه تهديد وجودي، ما يسهم في تبرير القمع وتوسيع دائرة الاستهداف

يشير عدد من الباحثين إلى أن هذا المصطلح يفتقر إلى أي أساس أكاديمي جاد، إذ إن الفاشية ظاهرة نشأت في سياق أوروبي محدد، ولا يمكن إسقاطها على حركات سياسية في العالم الإسلامي دون الوقوع في التبسيط والتشويه.

ويرى آخرون أن استخدام المصطلح لا يعدو عن كونه محاولة لفصل الإسلام عن الإنسانية، وتصويره كخطر حضاري، وهو ما ينسجم مع خطاب الكراهية أكثر مما ينسجم مع التحليل العلمي.

بل إن بعض الباحثين يذهبون أبعد من ذلك، معتبرين أن ربط “الفاشية” بديانات أو شعوب أخرى غالبًا ما يكون محاولة لصرف الانتباه عن نزعات استبدادية داخلية لدى من يستخدمون المصطلح.

أداة لتبرير العدوان

رغم كل هذا النقد، يستمر استخدام المصطلح بوتيرة متصاعدة، لأنه يؤدي وظيفة محددة: تهيئة الرأي العام لتقبل الحروب، وتجريد الخصوم من إنسانيتهم، وتفريغ القانون الدولي من مضمونه.

وبهذا المعنى، فإن استخدام هذا المصطلح يمنح “إذنًا مسبقًا” للقصف، ويحول أي اعتراض إلى دليل على “التواطؤ مع الفاشية”، ويجعل من العدوان فعلًا مبررًا بل ومطلوبًا.

وفي ظل تصاعد العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في المنطقة، يبدو أن هذا الخطاب لم يعد مجرد أداة دعائية، بل جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة الحروب.

في النهاية، لا يمكن فهم عودة مصطلح “الإسلاموفاشية” بمعزل عن السياق السياسي والعسكري الراهن، فهو ليس وصفًا بريئًا، بل أداة تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي، وتبرير سياسات لا يمكن الدفاع عنها بلغة القانون أو الأخلاق.

إنه، ببساطة، سلاح لغوي يُمهّد الطريق لما هو أخطر: حروب جديدة، ودمار أوسع، وشرعنة مستمرة لانتهاكات لا تنتهي.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا

مقالات ذات صلة