حرب بلا أفق: مقامرة ترامب مع إيران تُقرّب العالم من الانفجار

بقلم ديفيد هيرست 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

في مشهد يكاد يعكس نمط إدارته المرتبك لهذه الحرب، جاء أول رد فعل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على انهيار المحادثات في إسلام آباد بإعلان إجراءٍ ظهر للمفارقة أكثر إفادة لإيران مما هو ضار بها.  

فبدلاً من اتخاذ خطوات مدروسة، لوّح ترامب بفرض حصار على مضيق هرمز، متعهداً بملاحقة ناقلات النفط التي نجحت في عبوره، وهو قرار من شأنه أن يوقف وبشكل مباشر صادرات النفط من الكويت والإمارات والسعودية.

وفي الواقع، كانت ثلاث ناقلات من هذه الدول قد عبرت المضيق خلال فترة وقف إطلاق النار، إحداها ناقلة عملاقة محمّلة بالنفط الخام من السعودية والإمارات في أوائل مارس/آذار، يُتوقع وفقاً لبيانات الشحن وصولها إلى ميناء مالاقا في ماليزيا في 21 أبريل/نيسان.

كما تمكنت ناقلة أخرى، هي “أوشن ثاندر”، المحمّلة بالنفط العراقي والمستأجرة من قبل وحدة تابعة لشركة “بتروناس” الماليزية، من عبور المضيق الأسبوع الماضي.

ورغم ذلك، أصدر ترامب تعليماته للبحرية الأمريكية باعتراض أي سفينة في المياه الدولية دفعت رسوماً لإيران، قائلاً: “لن يتمتع أي طرف يدفع رسوماً غير قانونية بمرور آمن في أعالي البحار”.

وفي محاولة لاحتواء هذا التصعيد، سعت القيادة المركزية الأمريكية إلى تخفيف وقع القرار، مؤكدة أن البحرية “لن تعيق حرية الملاحة للسفن العابرة إلى الموانئ غير الإيرانية”.

غير أن هذه السفن تحديداً هي التي تدفع الرسوم حالياً لإيران، ما يجعل القرار أقرب إلى التناقض الصارخ، ويدفع خبراء سوق النفط إلى التعبير عن صدمتهم.

تصعيد غريب ومربك

ومنذ اندلاع الحرب، سمحت إيران بمرور نحو 100 سفينة عبر مضيق هرمز، في المقابل، انتقل ترامب من سياسة تخفيف العقوبات على النفط الإيراني التي اتبعها لتخفيف الضغط على الأسواق العالمية، إلى محاولة خنق هذه الأسواق بالكامل.

وترى جينيفر كافاناه، مديرة التحليل العسكري في مركز “ديفنس برايوريتز”، أن إغلاق المضيق بالكامل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل يفوق ما شهدته الأسعار سابقاً، ويضع واشنطن تحت ضغط دولي هائل.

أما الأكاديمي الإيراني حسن أحمديان، فيشير إلى أن الرهان الأمريكي يقوم على افتراضين خطيرين، أولهما أن إيران غير قادرة على كسر الحصار بالقوة، وثانيهما أن الولايات المتحدة تستطيع السيطرة سريعاً على أسواق الطاقة.

لكن وبعد 39 يوماً من الحرب، لم تقترب حاملات الطائرات الأمريكية من السواحل الإيرانية، في مؤشر واضح على حجم المخاطر.

ويضيف أحمديان: “يكفي أن تصمد إيران، حتى دون خوض حرب مباشرة، كي تشهد أسواق الطاقة ارتفاعاً هائلاً”، وبالفعل، قفز سعر النفط بنسبة 8% فور إعلان ترامب الأخير، حيث ارتفع خام برنت من 70 إلى 119 دولاراً خلال الحرب.

والأكثر غرابة أن هذا التصعيد يأتي في وقت أكد فيه كل من ترامب ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المفاوضات كانت تسير بشكل إيجابي.

بل إن ترامب نفسه أقر بإمكانية التوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد العسكري، لكنه برر تراجعه بالخشية من امتلاك إيران قدرات نووية، قائلاً إن ذلك “غير مقبول بيد أطراف متقلبة”.

والواقع أن هذه الحجة تثير مفارقة لافتة، فلو كان الحديث عن دولة الاحتلال، التي تمتلك نحو 90 سلاحاً نووياً ولا تنتمي إلى معاهدة عدم الانتشار، لكان موقف ترامب أكثر قابلية للفهم لدى كثيرين.
غير أن الواقع يقول وعبر إفادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران لا تمتلك برنامجاً نووياً عسكرياً، وما زالت عضواً في المعاهدة.

عامل دولة الاحتلال… اللاعب الخفي

وقد أشار ترامب إلى عرض إيراني بتخفيف نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، مع استمرار التخصيب المنخفض تحت إشراف دولي، قبل أن يرد عراقجي بالقول أن المفاوضات انهارت بسبب “التشدد وتغيير الشروط وفرض الحصار”.

في المقابل، تتعزز مؤشرات على دور مباشر لدولة الاحتلال في إفشال المحادثات، وهي التي لم تُخفِ استياءها من استبعادها من مفاوضات إسلام آباد، وسعت على ما يبدو إلى العودة إلى المشهد عبر تقويض المسار التفاوضي

والنتيجة أن ترامب تراجع عن النقاط العشر التي وافق عليها كأساس للمفاوضات، وانتقل إلى مطالب تعجيزية تعني عملياً استسلام إيران الكامل، بما في ذلك التخلي عن التخصيب النووي، والسيطرة على مضيق هرمز، وقطع الدعم عن حلفائها في المنطقة.

وقد شهدت محادثات إسلام آباد اختلالاً واضحاً في التوازن بين الطرفين، فقد دفعت إيران بفريق تفاوضي يضم أكثر من 70 خبيراً، وكانت مستعدة لخوض مفاوضات معمقة، بينما انسحب الوفد الأمريكي بعد 21 ساعة فقط.

وعلق المبعوث الأمريكي السابق روبرت مالي على ذلك بحدة قائلاً: “إذا كان الهدف إعادة طرح مطالب مرفوضة، فـ 21 ساعة كانت أكثر مما ينبغي، وإذا كان الهدف التفاوض فعلاً، فهي أقل بكثير مما يلزم”.

واليوم، يقف العالم مجدداً على أعتاب تصعيد خطير، فقد حذر الحرس الثوري الإيراني من استهداف أي سفينة عسكرية تقترب من المضيق، بينما يبدو أن ترامب يدفع باتجاه توسيع رقعة المواجهة، ملوّحاً بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على الصين إذا ثبت دعمها العسكري لإيران.

وفي تصريح آخر، قال: “لن نسمح لإيران بجني الأموال من بيع النفط لمن تشاء”، كما تفاخر بقدرته على “تدمير إيران خلال يوم واحد”، في إشارة تعكس قناعة متزايدة لديه بأن طهران باتت ضعيفة، وهي قناعة لا يشاركها إياها معظم المحللين.

فخارج فقاعة التصورات التي يعيشها دونالد ترامب، يتفق معظم المحللين على أن إيران اليوم في موقع أقوى بكثير مما كانت عليه عند بداية هذه الحرب.

فقد أثبتت طهران قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، في وقت تشير فيه التقديرات الاستخباراتية الأمريكية إلى أنها لا تزال تحتفظ بنحو نصف قدراتها من منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى آلاف الصواريخ القادرة على الانطلاق من منصات مدفونة تحت الأرض.

ورغم أكثر من 13 ألف غارة نفذتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، أظهرت إيران قدرة واضحة على إعادة بناء قدراتها واستعادة توازنها، ما يضعف فرضية الحسم العسكري السريع.

ولا تقف قوة إيران عند حدود قدراتها العسكرية، بل تمتد إلى شبكة دعم إقليمي ودولي متنامية، فهي تحظى بدعم متزايد من كل من الصين وروسيا.

هذا الدعم يتجاوز بحسب تقديرات أمريكية حدود التصريحات السياسية إلى خطوات عملية، من بينها استعداد بكين لتزويد طهران  بأنظمة دفاع جوي متطورة.

كما تسببت الحرب في واحدة من أكبر صدمات الطاقة منذ عقود، مع انخفاض الإنتاج العالمي للنفط بما يصل إلى تسعة ملايين برميل يومياً، وتراجع نحو خمس إمدادات الغاز العالمية.

ميدان جديد

وفي الميدان، تقف أطراف عدة على أهبة الانخراط في المواجهة وهي جماعة أنصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان، وفصائل حليفة لإيران في العراق، التي بدأت بالفعل باستهداف الكويت بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ولا تتوقف أوراق الضغط عند هذا الحد، إذ تمتلك إيران خيار إغلاق مضيق باب المندب، ما يعني شلّ حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وهو سيناريو كفيل بإحداث شلل شبه كامل في التجارة العالمية.

والواقع أن أي محاولة أمريكية للسيطرة العسكرية على مضيق هرمز لن تكون سهلة أو سريعة، بل ستكون على الأرجح مكلفة ودامية.

فوفق تحليلات عسكرية، يتطلب الأمر السيطرة على ثلاث جزر إيرانية رئيسية في الخليج هي أبو موسى، لارك، وخارك، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في السيطرة عليها، بل في الاحتفاظ بها.

فحتى مع الدعم الجوي، ستواجه القوات الأمريكية تهديداً دائماً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما يجعل تأمين هذه المواقع مهمة بالغة الصعوبة.

كما أن أي محاولة لإمداد القوات هناك ستكون عرضة لهجمات مكثفة، في ظل قدرة الوحدات الأمريكية على الصمود ذاتياً لفترة محدودة لا تتجاوز 15 يوماً دون إمدادات.

والأخطر من ذلك أن أي هجوم على منشآت إيران النفطية، خصوصاً في جزيرة خارك، قد يدفع طهران إلى رد واسع النطاق يستهدف كل منشآت النفط في الخليج.

والنتيجة المحتملة بناء على ذلك هي سلسلة من الدمار تمتد عبر المنطقة، توقف تصدير النفط والغاز لفترة طويلة، حتى لو نجحت الولايات المتحدة في السيطرة على المضيق.

بعبارة أخرى، قد تتمكن واشنطن من “كسب المعركة” عسكرياً، لكنها ستجد نفسها أمام خسارة استراتيجية كبرى تتمثل في انهيار سوق الطاقة العالمي.

ولا يقتصر التوتر على ساحة المعركة، بل يمتد إلى داخل المعسكرات الحليفة لواشنطن، فدول مجلس التعاون الخليجي منقسمة بوضوح، إذ تميل كل من الإمارات والبحرين، وهما الأقرب إلى دولة الاحتلال، إلى خيار التصعيد، بينما تدفع قطر وسلطنة عمان نحو التهدئة، في حين تقف السعودية والكويت في موقع متردد بين المسارين.

بل إن التباينات وصلت إلى حد التأثير على اتفاقات دفاعية، مثل الاتفاق بين السعودية وباكستان، الذي بدا مهدداً بالتصدع في ظل اختلاف المواقف من الحرب.

ترامب ونتنياهو… نفس المأزق

في نهاية المطاف، يجد ترامب نفسه في موقع لا يختلف كثيراً عن موقع رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو بعد حرب غزة.

فكما رفضت غزة الاستسلام، ما أدى إلى إضعاف نتنياهو داخلياً، يواجه ترامب الآن ضغوطاً متزايدة داخل معسكره السياسي، خاصة من تيار “ماغا”، الذي بدأ يشكك في جدوى هذه الحرب.

وفي الحالتين، يبدو أن الخيار الوحيد أمام القادة هو الاستمرار في الحرب، هروباً من الاعتراف بالفشل.

والأخطر أن بعض الأصوات المقربة من ترامب باتت تدفع باتجاه تصعيد غير مسبوق، ومن بينها الإعلامي مارك ليفين، الذي استحضر تجربة الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أن استسلام اليابان لم يتحقق إلا بعد إلقاء قنبلتين نوويتين.

هذا النوع من الخطاب يعكس مستوى خطيراً من التفكير، حيث يتم استحضار سيناريوهات كارثية كخيارات واقعية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو أوروبا خارج المعادلة، فيما تراقب الصين التطورات من مسافة محسوبة.

أما الداخل الأمريكي، فيشهد تصاعد دعوات لمساءلة ترامب، بل وحتى التشكيك في أهليته العقلية لإدارة البلاد، في ظل قرارات توصف بأنها متهورة وتزيد من حالة عدم الاستقرار العالمي.

لم تعد تصرفات ترامب مادة للسخرية فحسب، بل تحولت إلى عامل رئيسي في زعزعة النظام الدولي.

والخلاصة أننا بتنا أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث تتقاطع المصالح، وتتصاعد المخاطر، ويصبح العالم أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة شاملة في حرب لا يملك فيها أي طرف طريقاً واضحاً للنصر، لكن الجميع قد يدفع الثمن.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة