بقلم عبد أبو شحادة
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
“دائماً، وفي كل لحظة، سيكون هناك نشوة النصر، والإحساس بسحق عدوٍّ عاجز، وإذا أردت صورةً عن المستقبل، فتخيّل حذاءً يطأ وجهاً بشرياً إلى الأبد”، بهذه الكلمات القاسية لخّص جورج أورويل في روايته 1984 منطق السلطة المتغوّلة.
واليوم يصعب تجاهل الصلة بين ذلك المشهد الأدبي القاتم وما يجري على أرض الواقع بعد الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، والذي أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وأصاب العالم الإسلامي بصدمة عميقة، وزعزع استقرار المنطقة بأسرها.
والواقع أن العدوان الذي وقع رغم مؤشرات عن تقدّم في مسار المفاوضات في عُمان، لا يهدد دولة بعينها فحسب، بل يضع حياة ملايين البشر في دائرة الخطر.
كما أن هذا العدوان يأتي أيضاً بعد تعهدات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإنهاء الحروب، في مفارقة جديدة لأورويل: “الحرب هي السلام، والسلام هو الحرب”.
ولا يمكن فصل التصعيد عن تصريحات السفير الأميركي مايك هاكابي، الذي أيد “حق” دولة الاحتلال في توسيع حدودها من النيل إلى الفرات، بالتوازي مع استمرارها في الاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
كما لا يمكن عزله عن خطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في ميونيخ، حيث تحدّث عن استعادة “عظمة الغرب” عبر العودة إلى منطق استعماري جديد، وسط ترحيب نخب سياسية أوروبية.
وهنا تمضي الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في اغتيال قيادات سياسية ودينية، في تجاهل فجّ لمشاعر شعوب الجنوب العالمي، وللتداعيات بعيدة المدى لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق منطق القوة الغاشمة.
ولسنا بحاجة إلى تخيّل شكل “النظام العالمي الجديد”، إذ يكفي أن ننظر إلى واقع دولة الاحتلال ومجتمعها الذي يعيش اليوم تمجيداً متصاعداً للحرب، واستعداداً واسعاً لتشغيل ماكينة العنف، وتسويقاً للقوة باعتبارها قدراً تاريخياً.
إجماع سياسي عريض
فبينما يقصف جيش الاحتلال إيران، ويسقط مدنيون أبرياء، يجلس كثير من الإسرائيليين في المقاهي، يتنقّلون بين احتساء القهوة والركض نحو الملاجئ مع كل ضربة إيرانية مضادة، ليصفوا ما يحدث بأنه “حرب عادلة” هدفها “تحرير الشعب الإيراني، وخاصة النساء، من حكم آيات الله”.
هذه الرواية تتردّد في وقت تشير فيه تقارير إلى مقتل أكثر من 150 تلميذة في جنوب إيران، وهي رواية لا تختلف كثيراً عن الخطاب السائد تجاه المجتمع الفلسطيني، حيث يحظى استخدام قوة غير مسبوقة، وتجاهل القانون الدولي، بتأييد واسع في إطار السعي الدائم نحو التوسّع الإقليمي.
الأكثر إثارة للقلق ليس فقط الاستعداد لإزهاق أرواح الآخرين، بل الجاهزية الواضحة داخل مجتمع الاحتلال للتضحية بأبنائه في سبيل مشروع “إسرائيل الكبرى”، وإسقاط القوة العسكرية على امتداد الإقليم.
على مدى عقود، خاضت شعوب الجنوب العالمي معاركها ضد الاستعمار، وهي لم تتوقف عن مقاومة الهيمنة، ولن تقبل العيش إلى الأبد تحت “حذاء غربي” يطأ وجوهها
ورغم إدراك قطاعات واسعة أن أكبر المستفيدين من هذه الحرب هو رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فإن الإجماع السياسي حولها يكاد يكون شاملاً، حيث تصطف المعارضة خلف سياسته الخارجية رغم اختلافها معه في شؤون الداخل.
فهذا زعيم المعارضة يائير لابيد لم يتردد في دعم فكرة توسيع حدود الدولة للسيطرة على أراضٍ أخرى في المنطقة.
والواقع أن هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل تراكم على مدى عقدين، في ظل تغيّرات ديموغرافية وصعود الحركات الدينية، من الحريديم إلى التيارات القومية الدينية، ما عمّق الجدل حول علاقة الدين بالدولة، وتوزيع الموارد، والتجنيد العسكري، لكنه في الوقت نفسه رسّخ مركزية الحرب في الوعي الجمعي.
تدرك النخب السياسية أن المجتمع يتوحّد حول المعارك، إنه مجتمع صاغ هويته على قاعدة العسكرة، والقطيعة مع محيطه، والنظر إلى التوسع الإقليمي كأمر طبيعي، مع توظيف مزدوج لمصطلحات ليبرالية غربية عن “حماية الأقليات” و”الدفاع عن حقوق النساء”.
في المقابل، يحاول قادة غربيون الموازنة بين المصالح، فقد نأى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، على سبيل المثال، بنفسه عن الضربة الأولى، ثم أكد لاحقاً أن مقاتلات بريطانية تعمل للدفاع عن “حلفاء غربيين”.
لكن الرسالة التي تصل إلى مجتمع الاحتلال واضحة ومفادها أن الغرب يدعم هذه العمليات، رغم الإبادة المستمرة في غزة، واحتلال أجزاء من سوريا ولبنان، وقصف اليمن.
كما أن هذا الدعم لا يتزعزع، رغم أن نتنياهو، الذي يقود هذا المسار، مطلوب بتهم تتعلق بالإبادة في غزة.
نموذج دموي يُصدَّر للعالم
وحتى الآن، يبدو نتنياهو المستفيد الأكبر من هذا المسار المتصاعد، صحيح أنه قد يصعب التنبؤ بمآلات الحرب مع إيران، لكن المؤكد أنه نجح مجدداً في دفع السياسة الأميركية إلى حيث يريد.
لقد أقنع جمهوره بأنه، رغم معارضة شريحة واسعة من الرأي العام الأميركي للحروب، وضغوط قاعدة “ماغا” التي لا ترغب في أن تدفع واشنطن ثمن حروب دولة الاحتلال، استطاع جرّ الولايات المتحدة إلى صراع شرق أوسطي جديد، كما فعل خلال حرب العراق، وبعبارة أخرى، نتنياهو يجعل الأميركيين يؤدّون “العمل القذر” نيابة عنه.
غير أن السياق يختلف عن عام 2003، ذلك أن إدارة بوش دخلت العراق باقتصاد قوي ودعم دولي واسع نسبياً، أما ترامب فيتحرك في ظل ضغوط اقتصادية داخلية كبيرة، ودعم دولي محدود.
وسواء انهارت الدولة الإيرانية أو صمدت، فإن شريحة واسعة من جمهور الاحتلال ترى أن نتنياهو حقق إنجازاً تاريخياً، يقرّب مشروع “إسرائيل الكبرى” خطوة إضافية، بدعم أميركي صريح.
ومع اقتراب الانتخابات في وقت لاحق هذا العام، وفي ظل ضغوط يمارسها ترامب على الرئيس إسحاق هرتسوغ لمنح نتنياهو عفواً، رغم عدم صدور إدانة بحقه بعد، يبدو رئيس وزراء دولة الاحتلال في موقع متقدم داخلياً وخارجياً.
هذا هو النموذج الذي تُقدّمه دولة الاحتلال للعالم، مجتمع معبّأ للحرب، متأهب للتوسع، يحتقر الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية، ويجسّد رؤية روبيو لحقبة استعمارية متجددة.
غير أن سُكر القوة العسكرية لا يدوم، ذلك أن مجتمع الاحتلال ومعه الغرب عموماً، يسير نحو تكرار درس التاريخ: الاستعمار لم ينتهِ بفعل قيم ليبرالية أو “حسن نية” غربي، بل لأنه ارتدّ مثل لعبة البوميرانغ الخشبية على أصحابه، في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
التاريخ لم ينتهِ بعد، وشعوب الجنوب العالمي قاومت الاستعمار طويلاً، وستواصل مقاومتها، ولن تقبل أن يُرسم مستقبلها تحت وقع حذاء يطأ وجوهها إلى الأبد.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







