هدنة إيران وواشنطن: فرصة سلام أم استراحة بين جولات الحرب؟

بقلم شهير شهيد ثالث

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

تشكل الهدنة التي تمتد لأسبوعين بين إيران والولايات المتحدة، والتي بدأت في 8 أبريل/نيسان، نافذة دبلوماسية نادرة، وفي الوقت ذاته اختبارًا حقيقيًا لمعرفة ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق دائم ينهي هذه الحرب المدمرة.

فاليوم، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أطلق الحرب إلى جانب دولة الاحتلال، نفسه في موقع التقييم: هل إيران مستعدة لفتح مضيق هرمز مجددًا، واستئناف تدفق النفط، والمضي نحو اتفاق يمكن تسويقه داخليًا كإنجاز يحفظ ماء الوجه؟

وقد كشف تقرير حديث لصحيفة نيويورك تايمز تفاصيل لافتة حول الكيفية التي أقنعت بها دولة الاحتلال ترامب بخوض الحرب ضد إيران، حيث أوضح رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو شروطًا قدمها على أنها تقود إلى نصر شبه مؤكد، منها تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني خلال أسابيع، وإضعاف النظام إلى درجة تمنعه من إغلاق مضيق هرمز، وتقليل احتمالات توجيه ضربات للمصالح الأميركية في المنطقة.

وأشار التقرير أيضًا إلى تقييم صادر عن جهاز “الموساد” مفاده أن الاحتجاجات داخل إيران ستتجدد، وأن دعم أجهزة الاستخبارات التابعة لدولة الاحتلال لاضطرابات داخلية، بالتزامن مع حملة قصف مكثفة، قد يخلق الظروف اللازمة لإسقاط النظام.

غير أن المفارقة تكمن في أنه بعد ستة أسابيع فقط من اندلاع الحرب، ومع استمرار القصف المكثف، وبينما كان ترامب يهدد إيران في 7 أبريل/نيسان بـ “نهاية حضارتها” إن لم تستسلم خلال ساعات، كانت الإدارة الأميركية في الوقت ذاته تضغط على باكستان للتوسط من أجل وقف إطلاق النار، وفقًا لما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز.

في جميع الأحوال، فإن حملة القصف الأميركية، التي فشلت في تحقيق أهداف استراتيجية واضحة، تمثل مثالًا صارخًا على نظرية عالم السياسة روبرت جيرفس حول اندلاع الحروب نتيجة سوء تقدير القادة.

أما على الجانب الإيراني، فقد جاء الإصرار على تخصيب اليورانيوم بتكلفة باهظة، وهو الخيار الذي تبناه المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي والذي تم اغتياله في الضربات الأولى للحرب في 28 فبراير/شباط.

ووفقًا لحسين سلاح‌ ورزي، الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية، فقد استنزفت العقوبات نحو 1.2 تريليون دولار من الاقتصاد الإيراني بين عامي 2011 و2022.

ورغم ذلك، لم يحقق التخصيب هدف الردع، ولم يسهم في توليد الطاقة الكهربائية، كما لم يفضِ إلى امتلاك سلاح نووي.

اقتصاد منهك وضغوط متصاعدة

تعرض الاقتصاد الإيراني لضربات قاسية جراء الحرب، ووفق تقرير لموقع تابع لهيئة الإذاعة الإيرانية، فإن نحو 70% من صناعات الصلب والبتروكيماويات في البلاد تضررت، وهي قطاعات حيوية بالنظر إلى أن إيران تعد من أكبر عشرة منتجين للصلب عالميًا.

ولا تقتصر التداعيات على هذه الصناعات فحسب، بل تمتد إلى آلاف الصناعات المرتبطة بها، ما يهدد ملايين الوظائف، كما تلقى الاقتصاد الرقمي ضربة قاسية نتيجة قطع الإنترنت بشكل واسع مع بداية الحرب.

في المقابل، لم يكن الأميركيون بمنأى عن التعرض إلى الضغوط، فقبيل إعلان الهدنة، قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية قاربت 150 دولارًا للبرميل في بعض الحالات. 

وقد بدا ترامب متأرجحًا بين الإنكار حين قال: “لا نحتاج النفط، لدينا ما يكفينا”، وبين التصعيد الحاد، مطالبًا إيران بفتح المضيق، ومهددًا بـ “موت حضارتها”.

وقد يفسر ذلك حالة الغضب المتصاعدة لدى ترامب، ففي ظل هذا السيناريو، قد يفتح مجلس النواب باب إجراءات عزله، بينما يمكن لمجلس الشيوخ، بأغلبية الثلثين، إقالته من منصبه.

وبالفعل، بدأت أصوات داخل الحزب الديمقراطي تتحدث علنًا عن سيناريوهات العزل في حال استعاد الحزب السيطرة على الكونغرس.

كما أن تداعيات الحرب قد تتجاوز الضغوط الاقتصادية المباشرة، لتؤدي إلى تسارع التضخم، وإجبار الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض، من الرهون العقارية إلى بطاقات الائتمان، وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي.

ووفق تحليل لوكالة بلومبيرغ، فإن نظام “البترودولار” بات تحت ضغط، إذ دفعت أسعار النفط المرتفعة بعض الدول المستوردة إلى بيع سندات الخزانة الأميركية للحصول على السيولة، في حين قلّصت الدول المصدرة إعادة استثمار عائداتها في الأصول الأميركية.

العقبة الكبرى.. دولة الاحتلال

يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذه الهدنة المؤقتة أن تمهد لاتفاق سلام دائم؟ والواقع أن العقبة الرئيسية تكمن في دولة الاحتلال. 

فبعد ساعات فقط من إعلان الهدنة، أكد نتنياهو أن التوقف لا يعني نهاية الحرب على إيران، قائلًا: “نحن مستعدون للعودة إلى القتال في أي لحظة، أصابعنا على الزناد”.

وبعد ذلك بساعات، شن جيش الاحتلال 100 غارة خلال 10 دقائق على لبنان، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 300 شخص وإصابة 1100 آخرين، في هجوم وصفته الأمم المتحدة بأنه “مروع”.

ويواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة على جبهتين: الأولى داخلية، حيث تصوره وسائل إعلام في دولة الاحتلال على أنه فشل في تحقيق أهداف الحرب، خصوصًا إسقاط النظام الإيراني، والثانية استراتيجية، إذ تشير تحليلات إلى أن شروط الهدنة قد تعزز موقف إيران وتحد من قدرة دولة الاحتلال على استهداف حزب الله.

وعندما هددت إيران بإبقاء مضيق هرمز مغلقًا ردًا على هجمات جيش الاحتلال في لبنان التي تعتبرها جزءًا من إطار الهدنة أصر نتنياهو، بدعم من ترامب ونائبه جي دي فانس، على أن الاتفاق لا يشمل لبنان.

غير أن باكستان، التي ترعى الوساطة، أكدت أن الهدنة تشمل لبنان، حيث صرح رئيس الوزراء شهباز شريف بأن الاتفاق ينص على “وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان”.

وأشارت تقارير إلى أن البيت الأبيض شارك بشكل مباشر في صياغة هذا الموقف، وفي تصريح لاحق، قال ترامب: “تحدثت مع بيبي، وسيخفض التصعيد قليلًا، أعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون أكثر هدوءًا”، في إشارة واضحة إلى الضغط على دولة الاحتلال لوقف عملياتها.

في نهاية المطاف، يبدو أن ترامب هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان السلام ممكنًا، ذلك أن نجاحه في إجبار دولة الاحتلال على وقف هجماتها على لبنان سيكون الاختبار الحقيقي، أما إذا تعاملت إدارته مع هذا الملف بمرونة مفرطة، فإن فرص صمود الهدنة تبدو ضئيلة.

وبالعموم فإن المراقبين يترقبون ما إذا كان ترامب قادرًا على كبح نتنياهو، بينما يسعى إلى اتفاق مع إيران، في وقت يدعو فيه نائبه فانس إلى مفاوضات “بحسن نية”.

ورغم الطريق الوعر، فإن حجم المخاطر على جميع الأطراف قد يفتح الباب، وإن بدا الأمر أشبه بالمعجزة، أمام اتفاق يضع حدًا لهذه الحرب.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة