هدنة على حافة التاريخ… هل تنهي إسلام آباد صراعاً عمره نصف قرن؟

بقلم سيد حسين موسويان

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

بعد أربعين يوماً من المواجهة العسكرية المكثفة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة أخرى، جاء الإعلان المفاجئ عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين ليفتح باب التساؤل الجوهري: ما الذي دفع الأطراف إلى إيقاف الحرب في هذه المرحلة تحديداً؟

لم تأت الهدنة نتيجة تطور واحد بعينه، بل حصيلة تداخل معقد لعوامل عسكرية واستراتيجية وسياسية واقتصادية أعادت تشكيل حسابات جميع الأطراف المنخرطة في الصراع، وفي الوقت ذاته، لا تزال هذه الهدنة هشة ومستقبلها مرهون بجملة من العوامل الحاسمة.

إذ تشير تقارير أولية إلى احتمال انعقاد مفاوضات رفيعة المستوى في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم السبت، بمشاركة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.

وفي حال تأكدت هذه المعطيات، فإن هذه المفاوضات تمثل أعلى مستوى من التواصل السياسي المباشر بين الطرفين منذ 48 عاماً، وقد تشكل اختباراً حقيقياً لما إذا كانت هذه الهدنة ستفتح الطريق أمام مفاوضات جدية، أم أنها مجرد توقف مؤقت في مسار التصعيد.

تحولات في ميزان الحسابات

ثمة تطورات رئيسية تفسر كيف أصبح وقف إطلاق النار ممكناً، أولها، صمود إيران خلال أربعين يوماً من المواجهة، وردها العسكري القوي في ما وصفته بـ”حرب البقاء”، وهو ما قوض فرضية راسخة لدى بعض الدوائر في واشنطن وتل أبيب، مفادها أن النظام الإيراني سينهار سريعاً تحت ضغط الضربات العسكرية المستمرة.

ولطالما شكّلت هذه الفرضية أساساً لحجج دعاة المواجهة العسكرية مع إيران، إلا أن مجريات الحرب الأخيرة أظهرت هشاشة الفرضية، وأعادت رسم ملامح التقديرات الاستراتيجية.

ثانياً، لعبت سيطرة إيران على مضيق هرمز دوراً محورياً في تغيير الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للحرب، فهذا الممر المائي يعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط في العالم. 

وقد أدت المخاوف من تعطل المضيق إلى اضطرابات في الأسواق المالية وزيادات حادة في أسعار الطاقة، ما انعكس فوراً على اقتصادات أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، ودفع صناع القرار إلى إدراك أن استمرار الحرب قد يفضي إلى تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة.

ثالثاً، فشل عملية عسكرية واسعة النطاق نفذتها الولايات المتحدة، بمشاركة أكثر من 150 طائرة، في تحقيق أحد أهدافها الرئيسية، وهو الاستيلاء على نحو 450 كيلوغراماً من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60%. 

ووفق التقارير، فقد نُفذت العملية تحت غطاء إنقاذ طيار، لكنها أخفقت في تأمين المادة النووية المستهدفة، الأمر الذي أبرز التحديات العملياتية الهائلة التي تواجه أي محاولة عسكرية للقضاء على البرنامج النووي الإيراني أو السيطرة عليه.

الديناميات السياسية 

على الصعيد الداخلي الإيراني، خالفت التطورات توقعات بعض المخططين الذين راهنوا على أن الضغوط العسكرية ستؤدي إلى اضطرابات سياسية واسعة. 

إذ خرجت أعداد كبيرة من الإيرانيين إلى الشوارع دعماً للوحدة الوطنية ومقاومة الهجوم الخارجي، فيما انخرط إيرانيون في الخارج أيضاً في حملات مناهضة للحرب، ما أضعف سيناريوهات الانفجار الداخلي.

وفي الوقت ذاته، تمكنت القوات الأمنية الإيرانية من الحفاظ على سيطرة صارمة على الحدود، ما حال دون تسلل جماعات مسلحة أو إرهابية لاستغلال الفوضى، وتجنبت البلاد بذلك أزمة أمنية داخلية أوسع.

أما في الولايات المتحدة، فقد ساهمت الضغوط السياسية الداخلية وتنامي المعارضة الشعبية لاستمرار الحرب في التأثير على القرار. 

ومع تزايد الانتقادات من شخصيات سياسية، وتحول الرأي العام الدولي في العديد من الدول نحو رفض استمرار العمليات العسكرية، برزت حسابات داخلية، منها احتمالات الخسائر الانتخابية، كعامل إضافي في قرار التهدئة.

الهشاشة وغياب اليقين

اتخذ الصراع أبعاداً إقليمية متسعة، وألحق أضراراً كبيرة بمختلف الأطراف، فقد استهدفت إيران دولة الاحتلال ومنشآت عسكرية أميركية ومواقع لحلفاء واشنطن في المنطقة، بينما نفذت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ضربات واسعة داخل إيران.

وقد دفع حجم الخسائر المتراكمة، إلى جانب مخاطر الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، الأطراف إلى قبول وقف مؤقت لإطلاق النار، غير أن هذه الهدنة تبقى محفوفة بالشكوك، إذ تعتمد استدامتها على مجموعة من العوامل المعقدة.

أول هذه العوامل هو غموض الإطار التفاوضي، إذ لا يُعرف ما إذا كانت المحادثات سوف تستند إلى المقترح الأميركي المكون من 15 بنداً، أم الخطة الإيرانية ذات النقاط العشر، أم مزيج بينهما. 

كما أن التباينات بين مواقف واشنطن وتل أبيب، وما تعلنه باكستان بصفتها وسيطاً، تثير تساؤلات حول وجود أرضية تفاوضية مشتركة.

العامل الثاني يتمثل في الإرادة السياسية لواشنطن، إذ مازال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الهدنة تعكس توجهاً حقيقياً نحو الحل الدبلوماسي، أم مجرد فرصة لإعادة التسلح تمهيداً لجولة جديدة من التصعيد. 

وتستند هذه الشكوك إلى سوابق، أبرزها انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي رغم التزام إيران به، إلى جانب الهجمات العسكرية المتكررة.

أما العامل الثالث، فهو مسار التفاعل الإيراني–الأميركي في الأسابيع المقبلة، إذ يمكن أن تفتح المفاوضات المباشرة، التي تشمل الملفات النووية والإقليمية والثنائية، نافذة حقيقية نحو اتفاق مستدام

ويظل دور دولة الاحتلال محورياً، إذ عارضت مراراً أي تقارب بين طهران وواشنطن، فيما تشير ضرباتها في لبنان إلى سعيها لإفشال أي اتفاق محتمل.

كما شهدت التحالفات الإقليمية تحولات لافتة، أبرزها الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين الإمارات ودولة الاحتلال، حيث أعلنت أبوظبي، في أول يوم بعد الهدنة، معارضتها لوقف إطلاق النار، في موقف يعكس تعقيدات المشهد الإقليمي.

كذلك، يبقى موقف دول الخليج عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن خمس دول خليجية شاركت في الحرب ضد إيران، دون أن يصدر نفي رسمي لذلك. 

ويطرح هذا تساؤلاً حول استعداد هذه الدول للانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، تشمل ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.

نحو اتفاق يحفظ ماء الوجه

في الداخل الإيراني، يواجه القادة تحدياً سياسياً، إذ يعارض جزء من الشارع وقف إطلاق النار ويدعو إلى مواصلة الحرب، ما يفرض ضرورة التوصل إلى اتفاق يمكن تسويقه داخلياً.

ولكي تنجح الدبلوماسية، لا بد من حوار مباشر وشامل بين إيران والولايات المتحدة، يتناول مختلف القضايا عبر نهج تدريجي يتيح بناء الثقة.

وتوفر القناة الحالية فرصة نادرة، إذ يمثل جي دي فانس في الجانب الأميركي شخصية سياسية رفيعة مخولة بالتفاوض باسم ترامب، فيما يمثل الجانب الإيراني شخصيات نافذة في مراكز صنع القرار، مثل قاليباف وذو الفقار، ما يمنح الطرفين القدرة على اتخاذ قرارات صعبة.

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي اتفاق أن يصمد ما لم يوفر مخرجاً يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، ويتيح لكل طرف تقديم النتائج باعتبارها منسجمة مع مصالحه الوطنية، وعندها فقط يمكن أن تتحول الهدنة الحالية من توقف مؤقت إلى تسوية دائمة، تنهي فصلاً طويلاً من الصراع.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة