بقلم أحمد داود أوغلو
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
تحمل أي حرب تُشنّ في انتهاك للقانون الدولي في جوهرها خطراً عميقاً، لأنها تقوّض النظام الذي تأسس على تلك المبادئ، غير أن الأخطر من ذلك، هو أنها حرب تفتقر إلى العقلانية الاستراتيجية.
واليوم، يطرح الرأي العام الأميركي، ومعه جزء كبير من العالم، سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الأهمية مفاده: بأي منطق قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب السير خلف رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو نحو حرب بأهداف غامضة وعواقب قد تكون كارثية؟
وحتى الآن، لم يظهر أي جواب مقنع، لأن هذه الحرب لا تستند إلى عقلانية جيوسياسية، بل إلى نمط من اللاعقلانية “الثيوقراطية السياسية”.
لقد تم استبدال المفاهيم التقليدية لإدارة الدولة مثل التوازن الجيوسياسي، والتشابك الاقتصادي، وإدارة الأزمات، والاستقرار الإقليمي بمفردات من نوع آخر: هرمجدون، والرسالات الإلهية، و”الشعب المختار”، وفكرة تحقيق “القدر المقدس” بالقوة.
ورغم أن مثل هذه الأفكار كانت تُعد في السابق خطاباً هامشياً، فإن تبنيها من قبل صناع القرار يشير إلى أزمة أعمق بكثير.
فعندما تتحول الرموز الدينية والسرديات المروعة إلى عناصر مؤثرة في صناعة القرار على أعلى المستويات، فإن النتيجة تكون انحرافاً خطيراً في السياسات، قد يشكل تهديداً وجودياً للنظام العالمي.
بعد الحرب العالمية الثانية، خضع الخليج العربي لإطار استراتيجي مستقر نسبياً، قائم على ثلاثة أعمدة: الجغرافيا الاقتصادية لتدفقات الطاقة العالمية، والاستقرار الجيوسياسي اللازم لاستمرارها، والتوازن العسكري الذي يحمي هذا التوازن.
وقد أوجد هذا الإطار توافقاً ضمنياً على ضرورة عدم امتداد الصراعات إلى الخليج، حتى بين القوى المتنافسة، التي أدركت أن استقرار المنطقة يمثل مصلحة مشتركة.
وقد أثبت هذا النظام قدرته على الصمود، فالحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات لم تمتد إلى دول الخليج، كما أن الرد الدولي على غزو العراق للكويت أعاد السيادة دون تقويض النظام الإقليمي الأوسع.
وحتى بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول والغزو الأميركي للعراق، تمكنت دول الخليج من البقاء خارج مركز الصراع المباشر.
غير أن هذا التوازن انهار اليوم، فقد حلّ التحالف بين نتنياهو وترامب، المدعوم بشبكات أيديولوجية صهيونية ومسيحية صهيونية، محل العقلانية الجيوسياسية، بمنطق حرب “ثيوقراطية سياسية”.
وتتمثل النتائج في تهديد مضيق هرمز، بما ينعكس على الاقتصاد العالمي، وتراجع صورة الخليج كمركز مالي آمن، وتآكل فكرة أن الوجود العسكري الأميركي يضمن الاستقرار، لقد تحولت المنطقة، التي كانت يوماً ركيزة للاستقرار العالمي، إلى بؤرة أزمة ممنهجة.
وعليه، فإن السؤال المركزي الآن هو: هل يمكن لوقف إطلاق النار أن يعيد هذه العقلانية الجيوسياسية؟
إذ تشير تجارب الأزمات السابقة إلى أن فرص التهدئة تظهر عندما تدرك جميع الأطراف في الوقت ذاته أنها تضعف، وأن تحقيق نصر حاسم بات بعيد المنال، وبعد أسابيع من الدمار، قد تكون هذه اللحظة قد اقتربت.
غير أن تحقيق وقف إطلاق النار يتطلب قبل كل شيء مراجعة استراتيجية من جانب الولايات المتحدة، تبدأ بفصل سياستها الخارجية عن طموحات دولة الاحتلال، وعن القوى الأيديولوجية التي تدفع بها.
إن دمج العقيدة الدينية بالسياسة، وتصوير التاريخ باعتباره معركة مقدسة، وتبرير التوسع الجغرافي وإبادة “الأعداء”، يعيد إلى الأذهان أنماطاً أيديولوجية خطيرة عرفها التاريخ.
وفي الوقت ذاته، يتعين على السياسيين العقلانيين داخل دولة الاحتلال، وكذلك المفكرين اليهود، اتخاذ موقف واضح ضد هذا المسار.
ذلك أن دولة الاحتلال ليست مرادفاً لقيادتها الحالية، كما أن اليهودية لا تختزل في سياسات أي حكومة، حيث أن هناك حاجة ملحّة لأصوات تستند إلى المسؤولية الأخلاقية والعقل الاستراتيجي.
طريق السلام
إن العودة إلى العقلانية الجيوسياسية شرط لا غنى عنه لإنهاء الحرب، فالافتراض بأن تصعيد الدمار سيؤدي إلى نصر سريع، خصوصاً في ظل حسابات انتخابية، هو افتراض مضلل.
ومن دون حرب برية، فإن تغيير النظام في إيران يبدو غير واقعي، بينما قد تؤدي حرب برية إلى نتائج أشد خطورة مما حدث في العراق، وربما تفتح الباب أمام عدم استقرار إقليمي طويل الأمد.
وهذا يضع مسؤولية خاصة على القوى العقلانية داخل الولايات المتحدة، فعلى القادة من الحزبين، وخصوصاً داخل الحزب الجمهوري، إدراك تراجع الدعم الشعبي للحرب، والتشكيك في فرضية أن التصعيد العسكري يحقق مكاسب سياسية.
كما تعكس التظاهرات الواسعة في المدن الأميركية تحت شعار “لا للملوك” تزايد المطالب الشعبية بضبط النفس والمساءلة.
في المقابل، فإن إيران تحتاج أيضاً إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الإقليمية، حيث أثبت الاعتماد على شبكات النفوذ غير المباشر في عواصم عربية مثل بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء أنه سلاح ذو حدين، يخلق نقاط ضعف بقدر ما يمنح نفوذاً.
إن التحول نحو انخراط إقليمي بنّاء، ووقف الهجمات على دول الخليج، واعتماد مبدأ الاحترام المتبادل، يمثل خطوة أساسية.
كما أن الصمود الحقيقي لا يقوم على القدرات النووية، بل على الشرعية الداخلية، والرفاه الاقتصادي، والأمن، وكرامة المواطنين، وينبغي أن تدفع الخسائر التي كشفتها الحرب إلى إصلاحات حقيقية داخل النظام السياسي الإيراني.
أما بالنسبة لدول الخليج، فإن التداعيات لا تقل عمقاً، حيث أثبت الاعتماد الطويل على الضمانات الأمنية الخارجية محدوديته.
فلا الوجود العسكري الأميركي، ولا زيادة الإنفاق الدفاعي، نجحا في منع الاضطراب، كما أن مسارات التطبيع التي تجاوزت القضية الفلسطينية لم تحقق سلاماً مستداماً، بل خلقت أزمات شرعية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحول استراتيجي شامل يقوم على أربعة مرتكزات: تفعيل آليات التعاون الإقليمي، وعلى رأسها مجلس التعاون الخليجي، بناء نظام إقليمي شامل يضم قوى رئيسية مثل تركيا ومصر والعراق وسوريا وإيران، الحفاظ على توازن العلاقات مع القوى الدولية، الإقرار بأن أي سلام دائم لن يتحقق دون إنصاف القضية الفلسطينية.
يصبح وقف إطلاق النار ممكناً عندما تعترف جميع الأطراف بحدود قوتها، وتدرك أن استمرار الصراع لن يجلب سوى خسائر متزايدة.
وقد تكون اللحظة الراهنة فرصة لتحقيق ذلك، شريطة وجود إطار يسمح لكل طرف بتقديم النتيجة داخلياً على أنها مقبولة، حتى دون تحقيق نصر كامل، وبمساندة وسطاء قادرين على تضييق فجوة الخلافات.
إن الفشل في اغتنام هذه الفرصة قد يقود إلى عواقب أشد خطورة، فالحرب العالمية الثانية كانت مدفوعة بأيديولوجيات قائمة على العرق والقدر، أما الصراعات المستقبلية، إذا ما تشكلت وفق سرديات “ثيوقراطية سياسية” فقد لا تأتي في صورة حرب واحدة، بل كسلسلة من النزاعات الإقليمية المترابطة التي قد تُنتج دماراً غير مسبوق.
وهنا، يصبح الخيار واضحاً، إما العودة إلى جيوسياسة عقلانية قائمة على القانون والتوازن والمصالح المشتركة، أو الانزلاق نحو نظام عالمي مفكك تحكمه الأيديولوجيا، مع ما يحمله ذلك من نتائج كارثية محتملة.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







