بقلم فراس أبو هلال
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
مع توقف الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران مؤقتاً، يتصاعد الجدل حول سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: من انتصر ومن هُزم؟ هذا السؤال بات محور نقاش واسع في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل، وكذلك داخل الدوائر السياسية.
ففي حين أعلن سياسيون إيرانيون، إلى جانب شخصيات داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحقيق النصر، ذهبت الإمارات، التي تبنّت موقفاً دفاعياً دون الانخراط في عمليات هجومية، إلى الادعاء هي الأخرى بتحقيق مكاسب، غير أن الحقيقة، كما تكشفها طبيعة الحروب الحديثة، أكثر تعقيداً بكثير من هذه السرديات المتناقضة.
لقد أصبحت الحروب المعاصرة تمثل تحدياً حقيقياً للمحللين والمؤرخين عند محاولة تحديد المنتصر والمهزوم، فبخلاف الحروب التقليدية التي كانت تُحسم بنتائج ميدانية واضحة تُترجم إلى مكاسب سياسية مباشرة، باتت النزاعات الحديثة تتسم بالغموض وتعدد القراءات.
في النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يستند إلى خطاب ليبرالي حول “حقوق الإنسان” و”القانون الدولي”، تغيرت معايير النصر والهزيمة، ومن هنا برز مفهوم “كسب القلوب والعقول”، الذي ظهر لأول مرة خلال حرب فيتنام، ثم تعزز بشكل أوضح في حربي العراق وأفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر.
اليوم، لم تعد نتائج الحروب تُقاس فقط بالسيطرة على الأرض، بل باتت رهينة للدعاية والتأويلات الذاتية، إضافة إلى طبيعة “الحروب غير المتكافئة”، إذ يسمح هذا الغموض لكل طرف بادعاء النصر؛ ففي الأنظمة الديمقراطية، يُستخدم ذلك لتعزيز شعبية الحكومات، بينما تعتمد الأنظمة السلطوية على هذه السرديات للحفاظ على شرعيتها ودعمها الشعبي.
كما أن الحروب غير المتكافئة تمنح الطرف الأضعف، سواء كان دولة أو تنظيماً، فرصة إعلان النصر، إذا تمكن من الصمود والحفاظ على أيديولوجيته المقاومة، وغالباً ما يكون هذا الطرف أكثر استعداداً لتحمل الخسائر، إذ ينظر إلى الحرب باعتبارها تهديداً وجودياً.
من النصر إلى الهزيمة
في الحروب المعاصرة، لا يضمن التفوق العسكري تحقيق مكاسب سياسية، فحرب فيتنام تشكل مثالاً صارخاً؛ إذ تحوّل الانتصار العسكري الأميركي في “هجوم تيت” إلى هزيمة سياسية، بعدما عزز من قدرات “الفيت كونغ” على التجنيد وأشعل حركة مناهضة الحرب داخل الولايات المتحدة.
ويتكرر المشهد ذاته في غزو العراق عام 2003، حيث اعتُبر إسقاط نظام صدام حسين نصراً عسكرياً وسياسياً سريعاً، قبل أن يتضح لاحقاً أنه فتح الباب أمام نفوذ إيراني واسع في مرحلة ما بعد الحرب.
أما المثال الأكثر وضوحاً، نجده في أفغانستان، حيث بدا إسقاط نظام طالبان عام 2001 انتصاراً حاسماً، لكنه انتهى بعد عقدين بهزيمة كاملة للولايات المتحدة.
في هذا السياق، يصبح تقييم نتائج الحرب على إيران أكثر تعقيداً، نظراً لطبيعتها غير المتكافئة واستمرارها في الصمود، فقد حققت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال مكاسب تكتيكية، تمثلت في اغتيال عدد من القادة العسكريين والسياسيين الإيرانيين، وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية.
ومع ذلك، واصلت إيران الرد حتى لحظة وقف إطلاق النار، مستهدفة دولة الاحتلال ودول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية.
وكما هو متوقع، أعلن الطرفان النصر، مستفيدين من غموض هذا المفهوم في الحروب الحديثة، فقد ركزت واشنطن ودولة الاحتلال على حجم الدمار الذي لحق بالمؤسسات الإيرانية وبرامجها الصاروخية والنووية، في حين شددت طهران على صمود نظامها السياسي واستمرار قدراتها القيادية، إضافة إلى تعزيز قبضتها على مضيق هرمز.
وفي الواقع، يمتلك كل طرف مبرراته لتسويق “النصر” داخلياً، خاصة في ظل تحقيق مكاسب تكتيكية، وإن كانت الكفة تميل عسكرياً لصالح الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.
أهداف فشلت رغم التفوق
غير أن التقييم السياسي يكشف صورة مغايرة تماماً، لا تصب في صالح واشنطن ودولة الاحتلال، فالأهداف السياسية للحرب، وعلى رأسها تغيير النظام في إيران، وإشعال انتفاضة شعبية، وتحفيز تحركات مسلحة داخلية، وإنهاء البرنامجين النووي والصاروخي، لم يتحقق أي منها.
ورغم الفجوة الهائلة في القدرات العسكرية، فإن هذه المكاسب الميدانية لم تُترجم إلى إنجازات سياسية، بل على العكس، نجحت إيران في تحويل مسار الصراع نحو قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز، مستغلة موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية.
وباستخدام هذه الورقة، والتي تسببت في اضطرابات اقتصادية عالمية، عززت طهران موقعها التفاوضي، وقد توجهت إلى المفاوضات في إسلام آباد بخطة من عشر نقاط، تهدف إلى تثبيت نفوذها في المضيق، وضمان استمرار برنامجها النووي، وتوسيع وقف إطلاق النار ليشمل لبنان.
في البداية، أبدت إدارة ترامب انفتاحاً على هذه المقترحات، لكنها تراجعت لاحقاً، ما أدى إلى انهيار المفاوضات.
في الوقت ذاته، تراجعت صورة الولايات المتحدة ودولة الاحتلال على الساحة الدولية، حيث رفض حتى بعض الحلفاء المقربين المشاركة في الحرب، معتبرين إياها مخالفة للقانون الدولي.
وبوصفها القوة الليبرالية الأكبر في العالم، تواجه الولايات المتحدة خطر خسارة “معركة القلوب والعقول”، بعد اتهامها بشن حرب غير قانونية وفقاً لخبراء الأمم المتحدة، واستهداف منشآت مدنية، بينها مدرسة للبنات أودت بحياة عشرات الأطفال، إضافة إلى اغتيال قيادات سياسية وتهديد حضارات بأكملها.
في المقابل، لم تكن إيران بمنأى عن الخسائر السياسية، إذ أدى استهدافها منشآت مدنية في الخليج، بما في ذلك منشآت نفطية ومحطات كهرباء، إلى توتر علاقاتها مع جيرانها، الذين يرون في هذه الهجمات تهديداً مباشراً لأمنهم القومي، وقد يدفع ذلك دول الخليج إلى تعزيز علاقاتها مع المحور الأميركي–الإسرائيلي، ما يعقّد فرص إعادة بناء العلاقات مستقبلاً.
خلاصة المشهد
في المحصلة، لا يزال من المبكر الجزم بهوية المنتصر في هذه الحرب، غير أن طبيعة الصراعات الحديثة تشير بوضوح إلى مفارقة لافتة: قد تحقق القوى الكبرى تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنها تخسر في المقابل المعركة السياسية الأوسع.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال نجحتا في تحقيق انتصار تكتيكي على الأرض، لكنهما في المقابل تخوضان مساراً خاسراً في المعركة السياسية الأعمق.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







