تحطيم تمثال المسيح… صورة صادمة تكشف واقعاً أعمق

بقلم فارس إبراهيم

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

كانت صورة الجندي في قوات الاحتلال وهو يقوم مؤخراً بتحطيم تمثال للمسيح بمطرقة في جنوب لبنان صادمة، ولهذا انتشرت عالمياً بسرعة.

إنها لقطة واحدة، لكنها اختزلت مشهداً كاملاً من التدنيس الذي لا يزال كثيرون يفضلون اعتباره حادثة استثنائية فجة بصرية لا يمكن إنكارها.

وقد أكدت السلطات العسكرية التابعة لدولة الاحتلال وقوع الحادثة في بلدة دبل المسيحية، وأدانت الفعل، وزعمت أنها عاقبت الجنود المتورطين.

غير أن المشكلة الأعمق ليست أن هذا حدث مرة واحدة، بل أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع مثل هذه الوقائع كاستثناء، في حين يعلم المسيحيون في هذه الأرض أن هذا المشهد هو جزء من نمط متكرر.

ما جرى في لبنان لم يبدأ هناك، بل كشف عن موقف قائم أصلاً داخل دولة الاحتلال وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث وثّق “مركز روسينغ للتعليم والحوار”، 155 حادثة معادية للمسيحيين ارتكبها المحتلون خلال عام 2025.

وقد وصف المركز وهو منظمة مقرها القدس تتابع الاعتداءات على المسيحيين في دولة الاحتلال والقدس الشرقية، هذه الاعتداءات بأنها “نمط مستمر ومتوسع من الترهيب والعدوان”، كانت الاعتداءات الجسدية هي الفئة الأكبر فيه، وكان رجال الدين الأكثر تكراراً من بين المستهدفين.

بين “التحطيم” و”الخنق”

يميز تقرير روسينغ بين نوعين من الاعتداءات: تلك التي “تحطّم” وتلك التي “تخنق”، وهو تمييز بالغ الأهمية لفهم الصورة الكاملة.

ذلك أن التحطيم هو ما يتصدر العناوين: تمثال مُدنَّس، كنيسة مُخربة، صورة تنتشر كالنار في الهشيم، أما “الخنق” فهو أكثر هدوءاً: بصق، مضايقات، ترهيب، عرقلة، وإذلال يومي منخفض الحدة، يجعل المجتمع يشعر بأنه أقل أماناً وأقل يقيناً بمستقبله.

وأنا كمسيحي، أقرأ صورة ما جرى في قرية دبل إلى جانب التحذيرات التي نسمعها منذ سنوات من القدس وبيت لحم والطيبة.

ويُظهر تقرير روسينغ بوضوح أن المسيحيين الفلسطينيين معرضون للخطر ليس فقط بصفتهم أقلية دينية، بل أيضاً بسبب هويتهم الوطنية.

ففي الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، حذّر قادة الكنائس مراراً من أن اعتداءات المستوطنين، وقيود الحركة، وتفاقم مناخ انعدام الأمن، تدفع المسيحيين وخاصة الشباب منهم إلى التفكير في الهجرة.

والخطر هنا لا يهدد الرموز المسيحية فقط، بل يطال الوجود المسيحي الحي نفسه، وهذا الوجود يتقلص منذ زمن طويل، لأسباب متعددة.

إن تراجع أعداد المسيحيين في هذه الأرض يعكس عقوداً من الضغوط المتراكمة تحت الاحتلال: التهجير، الهجرة، تباطؤ النمو السكاني، الأزمات الاقتصادية، ودورات العنف المتكررة.

ففي بيت لحم، على سبيل المثال، انخفضت نسبة المسيحيين من نحو 85% من السكان عام 1947 إلى حوالي 10% فقط بحلول عام 2017.

خطر أعمق

وقد أظهر استطلاع أُجري عام 2020 بين المسيحيين الفلسطينيين أن الدوافع الأقوى للهجرة ترتبط مباشرة بظروف الاحتلال، بما في ذلك الحواجز العسكرية، واعتداءات المستوطنين، ومصادرة الأراضي.

وقصة عائلتي التي هاجرت إلى الولايات المتحدة خلال الانتفاضة الثانية هي جزء من هذه الحكاية.

وغالباً ما يتفاعل المسيحيون في الغرب بسرعة أكبر مع الإهانة التي تطال صورة، مقارنةً بالتآكل البطيء الذي يصيب شعباً بأكمله، فالتمثال المحطم يثير الغضب لأنه مرئي، أما الكنيسة التي تتقلص فلا تُرى بسهولة.

الأول يمنح العالم صورة، أما الثاني فيحدث على مدى سنوات، عبر ضغوط ممنهجة، وخوف، وقيود، وتدهور اقتصادي، وإحساس مرهق بأن المستقبل في الأرض الأم يُغلق تدريجياً.

لهذا السبب ضربت صورة قرية دبل في جنوب لبنان هذا العدد الكبير منا بقوة، فهي لم تُظهر مجرد فعل تدنيس، بل كشفت عن مناخ كامل.

ذلك أن المجتمعات لا تصل إلى مثل هذه اللحظات من فراغ، بل عبر تراكم عادات من الازدراء، وتطبيع للترهيب، وتصلّب الحياة العامة ضد الفلسطينيين، بمن فيهم مجتمعاتهم المسيحية.

بعض الحوادث “تحطّم”، لكن ما هو أكثر عدداً هو ما “يخنق”، وهذا الخنق المستمر يترك المجتمع يتساءل إن كان له مستقبل أصلاً، وهذا هو الخطر الأعمق الذي يواجه المسيحيين الفلسطينيين اليوم.

إنهم يواجهون بيئة يصبح فيها التحرش أمراً اعتيادياً، ويغدو الاختفاء احتمالاً وارداً، وفي مثل هذا المناخ، لم يعد السؤال فقط إن كان المسيحيون محميين نظرياً، بل إن كانوا قادرين على البقاء عملياً.

واقع غير مرئي

بالنسبة لكثيرين خارج المنطقة، خصوصاً أولئك الذين يتحدثون كثيراً عن دولة الاحتلال وفلسطين، يبقى هذا الواقع غير مرئي بشكل لافت.

يُستدعى اسم المسيح باستمرار، كرمز حضاري أو ديني أو سياسي، لكن المجتمعات المسيحية الحية في هذه المنطقة تُعامل في كثير من الأحيان كأنها هامشية في القصة.

ويحزن الناس عندما يُضرب تمثال حجري للمسيح، لكنهم يقولون القليل عندما يُحاصر المسيحيون في الأرض المقدسة بالخوف وعدم اليقين.

المسيحيون الفلسطينيون جزء أصيل من نسيج هذه الأرض، وتآكل وجودهم يجب أن يقلق كل من يدّعي الاهتمام بالأرض المقدسة.

إنهم ليسوا بقايا أثرية أو رموزاً في لاهوت الآخرين ولا في سياستهم، إنهم مجتمعات حية، لها أسماء، وتواريخ، وذكريات، وقبور، ومستقبل قد يُفقد.

وإذا أراد المسيحيون في الغرب الوقوف إلى جانب مسيحيي المنطقة، فعليهم أن يفعلوا أكثر من مجرد إدانة صورة صادمة واحدة، عليهم أن يواجهوا المناخ الأعمق الذي جعلها ممكنة.

عليهم أن يصغوا إلى التحذيرات الصادرة من المسيحيين الذين يعيشون هناك، وأن يتوقفوا عن إظهار اللامبالاة العملية تجاه محو الحياة المسيحية الفلسطينية.

السؤال الحقيقي الذي يطرحه ذلك التمثال المحطم ليس ما إذا كان فعل واحد قد تجاوز خطاً أخلاقياً، بل ما إذا كان العالم سيلتفت أخيراً إلى الناس الذين يعيشون تحت هذا الضغط منذ سنوات.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة