مفاوضات لبنان مع إسرائيل.. سلام مشروط أم استسلام تدريجي؟

بقلم هشام صفي الدين

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

من المقرر أن تعقد لبنان ودولة الاحتلال هذا الأسبوع جولة ثانية من المفاوضات المباشرة في واشنطن، برعاية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وعقب الجولة الأولى في 14 أبريل/نيسان، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً أعلنت فيه وقفاً للأعمال العدائية لمدة عشرة أيام، بهدف تهيئة “ظروف مواتية لتحقيق سلام دائم”.

غير أن السياق السياسي لهذه المفاوضات، إلى جانب شروط التهدئة، يشيران إلى مسار يقود إلى الاستسلام لا إلى السلام، بل إن الاستمرار في هذا النهج التفاوضي برعاية أميركية مرشح لأن يغذي الانقسامات الداخلية ويعرقل أي مسار للتحرر من الاحتلال.

وتتعدد الأسباب وراء هذا التقييم، أولها أن الشروط الواردة في البيان الأميركي تمثل عملياً تنازلاً عن السيادة اللبنانية، وتكريساً لتفوق دولة الاحتلال.

ويأتي هذا التنازل بالتوازي مع خطاب رسمي وإعلامي داخل لبنان يرفع شعار “سيادة الدولة”، لكنه يوجَّه عملياً نحو نزع سلاح حزب الله بدلاً من مقاومة الاحتلال، وقد شرعت الحكومة بالفعل في تجريم أنشطة الحزب العسكرية والأمنية.

ويمنح بيان الخارجية الأميركية دولة الاحتلال “حقاً أصيلاً في الدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية”، من دون أي إشارة مماثلة إلى حق لبنان.

كما ينص البيان على أن البلدين لم يعودا في حالة حرب، في طرح يبدو منفصلاً عن الواقع في ظل استمرار القتال، ويشكّل تجاوزاً للصلاحيات الدستورية اللبنانية التي تشترط موافقة ثلثي مجلس الوزراء لاتخاذ قرارات تتعلق بالحرب.

وتدعو الترتيبات كذلك الحكومة اللبنانية إلى منع حزب الله من مهاجمة دولة الاحتلال، من دون أي ذكر لانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي التي سيطرت عليها.

إهانة للبنان

تبدو هذه الشروط مجتمعة أسوأ من تلك التي تم التوصل إليها في مفاوضات غير مباشرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين مُنحت دولة الاحتلال مهلة 60 يوماً للانسحاب إلى الحدود الدولية المعترف بها.

غير أن تل أبيب أعادت في ذلك الوقت تموضع قواتها جنوباً، مع الاحتفاظ بعدد من المواقع الاستراتيجية، وعادت اليوم لتتوغل مجدداً وتسيطر على مساحات أوسع تمتد لعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية على طول الحدود.

وتخطط دولة الاحتلال لإنشاء ما تسميه “منطقة أمنية” خلف “خط أصفر”، على غرار نموذج غزة، وقد بدأت بالفعل عمليات تفجير وتجريف قرى، في سياق حملة تطهير عرقي.

ومن خلال رفضها الانسحاب واحتفاظها بحق شن عمليات عسكرية في عمق لبنان، تدفع دولة الاحتلال نحو استمرار المقاومة المسلحة.

وقد أطلق حزب الله هذه الجولة من القتال في 2 مارس/آذار، بعد 15 شهراً من ضبط النفس رغم أكثر من 10 آلاف خرق ارتكبها جيش الاحتلال، وكان من شأن عدم الرد على هذه الانتهاكات أن يقوض مبررات المواجهة، ويضعف ثقة القاعدة الشعبية للحزب بقدرته على الدفاع عن الجنوب.

وقد أكد الأمين العام لحزب الله ذلك صراحة، ففي بيان صدر السبت، شدد نعيم قاسم على أن الحزب “لن يقبل بأي انتهاك إسرائيلي وسيتصرف على هذا الأساس”، مشيراً إلى أن المقاتلين ألحقوا خسائر فادحة بقوات الاحتلال.

كما انتقد شروط التهدئة، واصفاً إعلان الخارجية الأميركية باسم الحكومة اللبنانية بأنه بلا قيمة عملية، و”إهانة لبلدنا ووطننا”.

وفي المقابل، أبدى قاسم استعداداً للتعاون مع السلطات اللبنانية، شريطة تنفيذ برنامج من خمس نقاط يشمل: وقفاً دائماً لاعتداءات الاحتلال براً وبحراً وجواً، وانسحاب قوات الاحتلال إلى الحدود الدولية، وإطلاق سراح الأسرى، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار بدعم عربي ودولي.

انقسام داخلي متصاعد

الخلاف حول المفاوضات لا يقتصر على تأثيرها العسكري، بل يعكس انقساماً أعمق بين حزب الله والرئيس اللبناني جوزيف عون بشأن كيفية مواجهة دولة الاحتلال، المقاومة المسلحة أم المسار الدبلوماسي، فضلاً عن موقع لبنان بين إيران ودول الخليج.

فعلى عكس إشادة قاسم بدور إيران في التوصل إلى تهدئة، نسب عون الفضل إلى “الصديق” ترامب وحلفاء عرب.

وبدلاً من الاستفادة من الموقف الإيراني الداعم للبنان، سعى عون، إلى جانب رئيس الحكومة نواف سلام، إلى فصل الجبهتين اللبنانية والإيرانية، وهو مطلب واضح من قبل الاحتلال.

وفي خطوة تعيد إلى الأذهان مسار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، أعلن عون استعداده للذهاب “إلى أي مكان” من أجل مصلحة لبنان.

لكن، بخلاف السادات، لا يزال طريق عون نحو تل أبيب غير ممهد، ذلك أن حزب الله وحلفاءه يعارضون بشدة المفاوضات المباشرة، كما أن دولة الاحتلال لن تقدم تنازلات إقليمية دون نزع سلاح الحزب والتطبيع الكامل.

وهذا الخيار يواجه رفضاً واسعاً، إذ تشير استطلاعات إلى أن نحو 90% من اللبنانيين يعارضون التطبيع، فيما بدأت بالفعل احتجاجات شعبية ضد توجهات الحكومة.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن إصرار عون وسلام على المضي في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، دون توافق وطني حول أهدافها وحدودها، قد يؤدي إلى أزمة ثقة عميقة في مؤسسات الدولة.

ولبنان ليس غريباً على الشلل السياسي، لكن الحرب الحالية قد تدفع الأمور إلى نقطة الانفجار، فما لا يُحسم سياسياً، قد يُحسم ميدانياً.

وفي غياب اتفاق أميركي–إيراني يشمل لبنان، فإن أي مسار تطبيع أحادي مع دولة الاحتلال قد يُقابل بالرفض أو يؤدي إلى صراع داخلي.

وفي هذه الأثناء، يُرجح أن تستأنف حرب العصابات ضد قوات الاحتلال في الجنوب، ورغم التكلفة العالية في مواجهة قوة عسكرية متفوقة وتكتيكات تدميرية، فإن ارتباط سكان الجنوب بأرضهم، وإرث عقود من مقاومة الاحتلال، يظلان عاملين حاسمين في استمرار السعي نحو التحرر الكامل.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة