بقلم جو غيل
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
لطالما اعتُبر تشبيه دولة الاحتلال بألمانيا النازية أمراً صادماً ومرفوضاً، بل وُصف في كثير من الأحيان بأنه معادٍ للسامية، لكن، وعلى وجه الخصوص في سياق الإبادة الجماعية في غزة وحروب التوسع التي تخوضها، بما في ذلك الحرب على إيران، يبدو أن هذا الحاجز النفسي قد انهار.
الباحث الأميركي اليهودي البارز، نورمان فنكلستين، وهو ابن عائلة نجت من المحرقة، قدّم هذا التشبيه بشكل مباشر، حين قارن بين حرب الإبادة التي شنّها أدولف هتلر في الشرق، والحرب التي أطلقها كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إيران.
والواقع أن هذه المقارنة ليست وليدة اللحظة، فمنذ عام 2023، مع اندلاع الحرب على غزة، بدأت ملامح هذا التشبيه تتبلور بوضوح، فكما حدث مع ألمانيا النازية، ارتكب قادة دولة الاحتلال خطأً قاتلاً يتمثل في عدم معرفة متى يتوقفون، وفتح جبهات متعددة في آن واحد، بلغت في مرحلة ما سبع جبهات.
في هذا السياق، لم يكن كل انتصار تكتيكي سواء على حماس أو حزب الله سوى وقوداً لمغامرات أكثر جرأة، وبعد حملة إبادة في غزة، وتوسع استيطاني في الضفة الغربية، وهجمات متواصلة على لبنان وسوريا واليمن، قرر نتنياهو نقل المعركة إلى إيران في عام 2025، لكن لماذا؟
تكمن الإجابة على ذلك في أيديولوجيا متطرفة قائمة على التفوق العرقي، تغذيها نزعة مسيانية يتبناها رئيس الوزراء وحلفاؤه من المستوطنين.
إنها سياسة تقوم على القومية العرقية والتوسع الجغرافي والعسكرة المفرطة، وهي سمات تذكّر، إن لم تتطابق، مع أيديولوجيا المحور الفاشي خلال الحرب العالمية الثانية.
أما ترامب، الذي يتبنى رؤية قائمة على تفوق الولايات المتحدة واستثنائيتها، فيشترك في هذا الإيمان المفرط بالقوة، وإن كان أقل اندفاعاً نحو حرب دائمة، وقد يُقارن، في بعض جوانبه، بالديكتاتور الفاشي بينيتو موسوليني، الذي اشتهر بمغامراته الإمبراطورية الفاشلة.
إيران والاتحاد السوفيتي: حين يتحول العدوان إلى حافز للمقاومة
يرى فنكلستين أن الحرب على إيران تذكّر بشكل لافت بحرب الإبادة التي شنها هتلر ضد الشعب السوفيتي، والتي أدت، بدلاً من إخضاعه، إلى توحيده خلف هدف الدفاع عن الوطن.
لقد كان ذلك خطأً استراتيجياً قاتلاً، فكلما تحولت الحرب إلى محاولة إبادة، كما فعل النازيون مع الاتحاد السوفيتي، ازدادت مقاومة الشعوب، وتحولت المعركة إلى ما يشبه “الحرب الوطنية العظمى” من جديد.
هناك تشابه آخر، العدو الذي يواجهه الغرب اليوم هو نظام ثوري يعاني من ضغوط داخلية، ففي ثلاثينيات القرن الماضي، كان يُنظر إلى الاتحاد السوفيتي على أنه ضعيف بسبب الاضطرابات الداخلية، وبالمثل، بدت إيران قبيل الحرب وكأنها قابلة للانهيار، ما شجّع نتنياهو وترامب على الاعتقاد بأن ضربة مفاجئة كفيلة بحسم المعركة سريعاً.
كما افتقر كل من الاتحاد السوفيتي وإيران إلى حلفاء دوليين مستعدين للتدخل المباشر دفاعاً عنهما، صحيح أن إيران تمتلك شبكات من الحلفاء غير الحكوميين في عدة دول، لكن هذه القوى لا تشكل تهديداً حقيقياً لقوى عسكرية متقدمة أو لدولة إقليمية مسلحة نووياً.
وقبل اندلاع المواجهة، حاول الطرفان تجنب الحرب عبر اتفاقيات مع خصومهما، فقد وقّع السوفييت اتفاقاً مع ألمانيا النازية عام 1939، كما كان من المفترض أن ينهي الاتفاق النووي لعام 2015 خطر الصراع مع إيران، غير أن ترامب مزّق ذلك الاتفاق عام 2018، ممهداً الطريق للمواجهة.
وهم الانتصار السريع
عاشت إيران، قبل الحرب، سنوات صعبة تحت وطأة العقوبات الشاملة، التي ساهمت في إشعال موجات احتجاج كبرى في أعوام 2019 و2022 و2026، وبالمثل، كان الاتحاد السوفيتي يمر بمرحلة اضطراب داخلي عميق، شملت حملات قمع واسعة أضعفت مؤسساته، بما في ذلك الجيش.
هذا الواقع دفع هتلر إلى الاعتقاد بأن الاتحاد السوفيتي لقمة سائغة، وأن النصر سيكون سريعاً وحاسماً، وفي الأشهر الأولى، بدا أن هذا التقدير صحيح، حيث حققت القوات الألمانية تقدماً مذهلاً.
لكن النازيين ارتكبوا خطأً استراتيجياً حاسماً: لم يسعوا فقط إلى الانتصار العسكري، بل إلى القضاء على السكان أنفسهم، هذه الحرب الوجودية هي التي دفعت الشعب السوفيتي إلى التكاتف والصمود.
وه هو الخطأ نفسه يتكرر اليوم، فكما نظر النازيون بازدراء إلى الشعوب السلافية، ينظر قادة دولة الاحتلال وحلفاؤهم بازدراء إلى خصومهم، معتبرين أنهم عاجزون عن المقاومة، وقد وصف ترامب الإيرانيين بـ”الحيوانات”، في تعبير يعكس هذه العقلية.
وكان من المفترض أن يكون اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب هو الضربة القاضية، لكن التاريخ يثبت أن قتل القادة لا يعني بالضرورة انهيار الدول، حتى في ظل الغزو.
حدود القوة العسكرية
في العام الأول من الغزو النازي للاتحاد السوفيتي، بدا المشهد وكأن النهاية قد كُتبت سلفاً، تقدمت قوات الفيرماخت بسرعة عبر أوكرانيا، مستفيدة من إنهاك السكان بفعل المجاعة والقمع في السنوات السابقة، ووصلت إلى تخوم موسكو ولينينغراد، حيث فرضت حصاراً وحشياً، وفي تلك اللحظة، كان أدولف هتلر يعتقد أن سقوط النظام السوفيتي بات مسألة وقت.
لكن إسقاط نظام سياسي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يتطلب إيجاد بديل قادر على الحكم، وهنا تكمن المعضلة التي تواجهها دولة الاحتلال وحلفاؤها اليوم.
ففي الحالة الإيرانية، لم يظهر حتى الآن بديل سياسي موثوق يمكنه أن يحل محل النظام القائم، وقد بدا رضا بهلوي عاجزاً عن لعب هذا الدور، سواء بسبب محدودية قدراته السياسية أو افتقاره إلى قاعدة شعبية واسعة داخل إيران.
يعكس هذا القصور الاستراتيجي خطأً مشتركاً بين ألمانيا النازية من جهة، والولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة أخرى من خلال تجاهل غياب مسار واقعي لتحقيق نصر نهائي.
فعلى المدى القصير، قد تُحسم المعارك بفضل التفوق الجوي والاستخباراتي والقدرات التدميرية، لكن على المدى الطويل، تبقى الشعوب التي تتعرض لهجوم مستمر على أرضها أكثر ميلاً إلى المقاومة لا الاستسلام.
لقد أدرك الإيرانيون أن ما يُطرح عليهم ليس “تحريراً”، بل مشروعاً لتفكيك الدولة وتقسيمها على أسس عرقية، وهو ما عزز من تماسكهم الداخلي بدلاً من تفكيكه.
نظام أكثر تشدداً لا ضعفاً
وقد أدى استهداف القيادات العليا في إيران إلى نتيجة عكسية تماماً لما كان متوقعاً، فبدلاً من إضعاف النظام، أسهمت الاغتيالات في إعادة تشكيله، عبر صعود جيل جديد من القادة العسكريين والسياسيين، أقل ميلاً إلى ضبط النفس وأكثر استعداداً للمواجهة المباشرة.
وقد تجلّى هذا التحول في سياسات أكثر جرأة، مثل استهداف دول الخليج، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، والإصرار على ربط الساحات الإقليمية خصوصاً لبنان بأي تسوية طويلة الأمد.
إن إيران، مثل روسيا، دولة قارية واسعة، ما يجعل إخضاعها أو تفكيكها مهمة شديدة التعقيد لأي قوة خارجية.
وقد كان أدولف هتلر ينظر إلى الاتحاد السوفيتي بوصفه مجالاً حيوياً لإمبراطوريته، قبل أن تتحول الحرب إلى كارثة استراتيجية انتهت عند معركة معركة ستالينغراد، التي شكلت نقطة تحول حاسمة في الحرب العالمية الثانية.
وبالمثل، لطالما أعلن بنيامين نتنياهو عزمه إسقاط النظام الإيراني، عبر الاغتيالات والعمل السري والتحريض على الانتفاض الداخلي.
غير أن هذه الرهانات لم تتحقق، حتى بعد موجات الاحتجاج والقمع الأخيرة، إذ التف الإيرانيون حول دولتهم في مواجهة التهديد الخارجي.
ولو افترضنا ولو على سبيل الاحتمال أن الهدنة بين واشنطن وطهران قد تحولت إلى اتفاق دائم وفق الشروط الإيرانية، فإن ذلك سيُنظر إليه كهزيمة تاريخية للولايات المتحدة، قد تُقارن بتجربة حرب فيتنام.
غزة: السؤال الوجودي الذي لم يُحسم
لكن ماذا عن غزة؟ هناك الإبادة لم تتوقف، والسؤال بالنسبة للفلسطينيين ليس سؤالاً سياسياً فحسب، بل سؤال وجودي، وهنا يقدم التاريخ إشارات مهمة أساسها أنه لا توجد إبادة جماعية حديثة استمرت لأكثر من أربع سنوات.
فقد استمرت إبادة رواندا 100 يوم فقط، بينما امتدت إبادة كمبوديا لأكثر من ثلاث سنوات، وانتهت بتدخل خارجي، أما الإبادة الأرمنية فاستمرت عاماً واحداً تقريباً، في حين دام حصار لينينغراد 872 يوماً، واستمرت المحرقة، الأسوأ على الإطلاق، أربع سنوات.
وحتى الآن، صمد الفلسطينيون لنحو 926 يوماً من القتل والحصار، وتشير تقديرات عام 2025 إلى أن عدد الشهداء في غزة تجاوز 84 ألفاً بحلول يناير/كانون الثاني من ذلك العام، ومن المرجح أن يكون العدد قد تخطى 100 ألف حالياً، إضافة إلى آلاف آخرين في لبنان وإيران.
المفارقة أن أكبر هزيمة قد لا تكون في ميادين القتال، بل في الداخل الأميركي، حيث بدأت الولايات المتحدة، التي لطالما وفّرت دعماً غير مشروط لدولة الاحتلال، تشهد تحولاً ملحوظاً في المزاج السياسي.
فقد سلّحت واشنطن حرباً وُصفت بالإبادة، ودعمت هجمات على إيران، وساندت حرباً طويلة ضد حزب الله، لكن هذه السياسات بدأت ترتد عليها.
وها هو التصويت الأخير في مجلس الشيوخ يقدم مؤشراً لافتاً، فبينما مرّ قرار تزويد دولة الاحتلال بالسلاح، صوّت 40 من أصل 47 سيناتوراً ديمقراطياً لصالح مشروع قرار قدمه بيرني ساندرز يهدف إلى حظر جزء من المساعدات العسكرية، وهو تحول كبير مقارنة بالعام السابق.
هذا التغير يعكس إدراكاً متزايداً لدى السياسيين الأميركيين بأن استمرار الارتباط غير المشروط بدولة الاحتلال قد يصبح عبئاً انتخابياً.
نهاية مرحلة وبداية انكشاف
لقد استفاد نتنياهو من فترة ذهبية امتدت عبر ولايات رئاسية متعددة، من ترامب إلى بايدن ثم عودة ترامب، لكن هذه المرحلة تقترب من نهايتها، ورغم سعيه لإطالة أمد المشروع التوسعي والبقاء في السلطة، إلا أن هامش المناورة لديه يتقلص يوماً بعد يوم.
اليوم، يواجه نتنياهو أكبر اختبار في مسيرته، ليس في لبنان أو إيران، بل في واشنطن، حيث بدأ الناخب الأميركي يفقد صبره على الحروب المفتوحة والدعم غير المحدود لدولة الاحتلال.
وفي الداخل، كما يحذر نورمان فنكلستين، لم تعد المشكلة مقتصرة على القيادة، بل امتدت إلى بنية المجتمع ذاته، الذي بات يدعم سياسات التطهير العرقي والحروب التوسعية.
الدرس الأهم من الحرب العالمية الثانية كان واضحاً: الفاشية لا تُهزم إلا عندما تدفعها مغامراتها العسكرية إلى حدود الانهيار، فتواجه مقاومة داخلية وخارجية تنهي مشروعها، لكن يبدو أن قادة الحروب اليوم لم يتعلموا شيئاً من هذا التاريخ.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







