يهود إيران بين طهران وتل أبيب… هوية ممزقة في زمن الحرب

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

في الوقت الذي تنهمر فيه الغارات الجوية والصاروخية الأميركية وغارات دولة الاحتلال على إيران، يعيش كثير من اليهود هناك حالة مركبة من الخوف والارتباك والألم، وهم يشاهدون حرباً تدور بين بلدهم الذي ولدوا فيه وبين دولة تدّعي أنها تمثل اليهود في العالم.

إذ ينتمي يوسف إلى مجتمع صغير لا يتجاوز عدد أفراده اليوم عشرة آلاف شخص في بلد يبلغ عدد سكانه نحو تسعين مليوناً. 

ومثل غيره من اليهود الإيرانيين، يحاول يوسف البقاء آمناً في ظل الغارات الجوية والصاروخية التي تنطلق في كثير من الأحيان من دولة الاحتلال، الدولة التي يُفترض وفق الخطاب السائد، أن يشعر تجاهها بنوع من الارتباط.

وقد تحدث يوسف، وهو يهودي إيراني أتم دراسته الجامعية في التاريخ إلى موقع ميدل إيست آي عن الفرق بين اليهودية والصهيونية قائلاً إن “الصهيونية هي التي أضرت بسمعة إسرائيل حول العالم”. 

وأضاف: “اليوم لا يكاد يوجد أي تيار يساري مؤثر داخل إسرائيل، المنافسة أصبحت بين سياسيين من اليمين المتطرف وآخرين أكثر تطرفاً منهم”.

ويعرّف يوسف نفسه بأنه ناقد شديد للصهيونية، التي يرى أنها لعبت دوراً أساسياً في زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله.

ويقول: “ما حدث في غزة سيبقى في التاريخ”، في إشارة إلى الإبادة التي ارتكبتها دولة الاحتلال، وأضاف: “عار ذلك سيظل يلاحق الصهيونية وكل من دعمها”.

ومع تحول سماء طهران إلى اللون الأسود بسبب الغارات التي تستهدف مواقع النفط، يشعر يوسف بالإحباط من بعض الإيرانيين الذين يدعمون ما تقوم به دولة الاحتلال.

ويقول: “حين أرى بعض أبناء بلدي يصدقون خطابات نتنياهو، أشعر بحزن شديد، عليهم أن يستمعوا جيداً إلى رسائله الموجهة إلى شعوب سوريا ولبنان وفلسطين ليفهموا مع من يتعاملون”.

أما سارة، وهي سيدة أعمال يهودية تبلغ من العمر 46 عاماً من مدينة شيراز، فتبدو أكثر غضباً على رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي تلقي عليه قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الحرب الحالية.

تقول سارة بوضوح: “حتى داخل إسرائيل، هناك كثير من الناس يكرهون هذا الدجال، فهو ولكي يغطي فضائحه المالية، سيفعل أي شيء لتحويل الأنظار عنه”.

ويواجه نتنياهو منذ عام 2019 ثلاث قضايا جنائية تتعلق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وقد تأجلت جلسات محاكمته مراراً بسبب الحروب التي تخوضها دولة الاحتلال.

وتقول سارة: “نعم، أنا يهودية، لكن لا يمكنني أن أرى البلد الذي وُلدت وترعرت فيه عدواً لي، أنا يهودية وإيرانية في الوقت نفسه”.

وأضافت: “أعتقد أنني قادرة على الحكم على هذا الوضع من دون كراهية، كثير من الفوضى التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة مرتبطة بسياسات نتنياهو”.

وتراجع عدد اليهود في إيران بشكل كبير منذ الثورة الإسلامية عام 1979، فقبل الثورة، كانت التقديرات تشير إلى وجود ما بين 70 ألفاً و100ألف يهودي هناك، لكن الكثيرين منهم غادروا البلاد بعد الثورة وقطع العلاقات بين طهران ودولة الاحتلال.

ووفقاً لآخر تعداد سكاني رسمي في إيران عام 2016، يبلغ عدد اليهود أكثر بقليل من 9 آلاف شخص، رغم أن بعض أفراد المجتمع اليهودي يعتقدون أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك.

بين بلدين

وتكشف الأحاديث مع يهود إيران عن طيف واسع من الآراء والمشاعر المتناقضة التي تثيرها هذه الحرب بين بلدهم وبين دولة قامت على أساس اعتبارها وطناً لليهود في العالم.

فهذا دانيال، البالغ من العمر 52 عاماً، يعمل في متجر للمجوهرات في طهران، وكثيراً ما يشعر مثل غيره بالقلق من عواقب الحرب ويتحدث بحذر شديد عن آرائه.

ويقول: “أنا لا أتذكر الفترة التي سبقت الثورة، لكن والدي وأقاربي الأكبر سناً كانوا يخبروننا دائماً أن إيران وإسرائيل كانت تربطهما علاقات وثيقة يوماً ما، لم يتخيلوا أبداً أن يصل البلدان إلى وضع كهذا”.

يقضي دانيال معظم وقته حالياً في المنزل، يتابع أخبار الحرب عبر القنوات الفارسية والعبرية، ويقول بصوت هادئ: “لا أعرف ما الذي سيحدث، لكن هذه حرب رهيبة، أتمنى لو أنها لم تقع أبداً”.

ويضيف: “عندما أرى الصواريخ تضرب المدن الإسرائيلية أشعر بالحزن، وعندما أرى الطائرات الحربية الإسرائيلية والأميركية تحلق فوق مدينتي أشعر بالحزن أيضاً، الانفجارات تبقينا مستيقظين طوال الليل”.

ويتجنب دانيال إبداء حكم سياسي واضح بشأن الصراع، ولا يشرح السبب، لكنه يبدو واضحاً: “فالتعبير العلني عن مثل هذه الآراء قد يكون محفوفاً بالمخاطر في إيران، خصوصاً في زمن الحرب”.

الغاضبون من إيران

وبالتأكيد فإن جميع اليهود في إيران لا يوجهون ذات المستوى المرتفع من النقد إلى دولة الاحتلال كما يفعل يوسف وسارة، ومع ذلك فإن التعبير عن آراء مختلفة علناً قد يكون صعباً.

فمثلاً هذا آرش، وهو رجل يبلغ من العمر 71 عاماً ويمتلك مطعماً صغيراً في طهران، يقر بأن الحديث عن الحرب أمر غير مريح، ويقول: “ليس من السهل التحدث عن هذه الأمور، خاصة في زمن الحرب، إنها حرب بين بلدين تشعر بأن لك علاقة بهما”.

ثم يتوقف قليلاً ويضيف: “لكن السؤال الحقيقي هو من الذي وعد أولاً بتدمير الآخر؟ سياسات الجمهورية الإسلامية ساهمت في الوصول إلى هذه النقطة”.

ويرى آرش أن النظرة إلى اليهود داخل إيران تحسنت في السنوات الأخيرة، ويقول: “مستوى الغضب تجاه الجمهورية الإسلامية مرتفع جداً لدرجة أن كثيراً من الإيرانيين اليوم يرون اليهود أصدقاء”.

لكنه يسارع إلى التأكيد على هويته الوطنية: “لا تنسوا أنني أيضاً إيراني، يؤلمني أن سياسات هذه الحكومة أوصلت البلاد إلى هذا الوضع”.

وكما هو الحال مع كثير من كبار السن في المجتمع اليهودي، يقول آرش إن الهجرة لم تعد خياراً سهلاً، ويضيف: “خلال السنوات الماضية غادر كثير من اليهود إيران وانتقلوا إلى إسرائيل، لكن بالنسبة لمن هم في عمرنا أصبح الأمر أصعب بكثير”.

ثم يضيف: “انظروا حولكم، حتى كثير من المسلمين يهاجرون، لماذا؟ لأن الناس تحت حكم الجمهورية الإسلامية لا يرون مستقبلاً هنا”.

الخوف من المستقبل

ومع دخول الحرب بين إيران ودولة الاحتلال أسبوعها الثاني، لا تزال النهاية غير واضحة، وبالنسبة لكثير من يهود إيران، لا يكمن الخوف الأكبر في المعارك الحالية فحسب، بل في ما قد يأتي بعدها.

وقبل الغارات التي استهدفت منشآت النفط في طهران خلال عطلة نهاية الأسبوع، قال يوسف لموقع ميدل إيست آي إن “أسوأ سيناريو ممكن” سيكون استهداف البنية التحتية الإيرانية بهدف إجبار الجمهورية الإسلامية على الاستسلام، وهو السيناريو الذي يبدو أنه بدأ يتحقق اليوم.

ويختم يوسف حديثه قائلاً: “علينا أن نكون واقعيين، القوة العسكرية لإسرائيل والولايات المتحدة أكبر بكثير من قوة إيران، أنا أكره أن أستيقظ كل ليلة على أصوات الصواريخ والانفجارات”.

ثم يتوقف لحظة قبل أن يقول: “لكن أكثر ما أخشاه هو أن تكون النتيجة النهائية لهذه الحرب تدمير البلد الذي أحبه”.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة