في ظل الأزمة الحالية، تحاول الحكومة اللبنانية إنشاء صيغة جديدة للمفاوضات تجعلها طرفاً مؤثراً في أي مناقشات حول مستقبل لبنان، لكن المشكلة تكمن في ما إذا كانت أي من تلك القوى سوف تأخذ الحكومة اللبنانية على محمل الجد وتسمح لها بتأكيد نفوذها الحقيقي.
في الأسبوع المقبل، سوف يلتقي وفد لبناني بمسؤولين إسرائيليين في واشنطن لإجراء محادثات حول إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان ومستقبل حزب الله.
وفقاً لدبلوماسيين ومسؤولين لبنانيين، فإن هدف لبنان هو ضمان عدم إجراء أي محادثات أو قرارات إلا من خلال الرئاسة ومؤسسات الدولة المماثلة، حيث تحرص الحكومة على التخلص من الآليات العسكرية التي كانت تستخدم في السابق لحل القضايا مع إسرائيل، وفصل لبنان عن أي اتفاقيات قد تبرمها إيران مع الولايات المتحدة.
يقول المسؤولون والدبلوماسيون اللبنانيون المطلعون على التطورات بأن سلام وعون يتعرضان أيضاً لضغوط خارجية حتى لا يظهران وكأنهما استفادا من نجاحات إيران في التصدي للهجوم الأمريكي الإسرائيلي.
عندما أعلنت كل من واشنطن وطهران وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، قالت كل من إيران وباكستان الوسيطة بأن لبنان مشمول في الاتفاق، ولكن على أرض الواقع، فإن إسرائيل تقصف لبنان منذ أن أدت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الأمر الذي أدى إلى هجوم صاروخي عبر الحدود من قبل حزب الله انتقاماً.
كان خامنئي زعيماً روحياً مهماً للحركة المسلحة اللبنانية، التي اعتقدت أيضاً بأن إسرائيل سوف تستخدم حربها على إيران كغطاء لغزو لبنان، وهو تأكيد دعمته تقارير إعلامية إسرائيلية لاحقة.
ومع ذلك، رفضت إسرائيل قبول لبنان كجزء من وقف إطلاق النار الإيراني، غردت بشن أكثر من 100 غارة على بيروت ومناطق أخرى من لبنان في 10 دقائق، مما استشهاد عن مقتل أكثر من 300 شخص، كثير منهم من الأطفال، ثم أعلنت إسرائيل خفض هجماتها واجتماعها مع الحكومة اللبنانية في واشنطن لإجراء محادثات مباشرة.
بحسب مسؤول لبناني كبير، فليس لدى بيروت أي اعتراض على أن يشمل لبنان رسمياً وقف إطلاق النار الهش مع إيران، إذا كان ذلك يمكن أن ينهي الهجمات في أقرب وقت ممكن، ولكن بمجرد أن تصمت الأسلحة، فإن الدولة اللبنانية تريد أن تتم أي مفاوضات مع إسرائيل من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، بقيادة سياسية من خلال الرئيس جوزيف عون والرئاسة، وليس من خلال خليط من الآليات التي تم استخدامها في السابق لمعالجة القضايا على طول حدود البلدين.
أضاف المصدر لميدل إيست آي كذلك بأن هذا التمييز مهم، لأن القيادة اللبنانية تعتقد أن المرحلة التالية لا تتعلق ببساطة بإنهاء القصف الإسرائيلي، بل بمن سوف يتولى التفاوض على شروط ما سيأتي بعد ذلك، بين الدولة اللبنانية أو القوى الإقليمية التي اجتاحت حربها البلاد مرة أخرى.
ومن الجدير بالذكر أن حزب الله رفض إطار المحادثات، حيث صرح النائب عن الحركة علي فياض بأن أي تحرك نحو المفاوضات يجب أن يأتي فقط بعد وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وعودة المدنيين النازحين.
هناك عدة دول أبدت حرصاً على تضمين لبنان في الاتفاق المرتقب، في الوقت الذي تتوجه وفود إيرانية وأمريكية إلى إسلام آباد لإجراء محادثات حول إنهاء الحرب المستمرة منذ 6 أسابيع.
وقد أوضح مصدر دبلوماسي مصري رفيع لموقع ميدل إيست آي بأن مصر تسعى لتأمين إدراج لبنان في إطار وقف إطلاق النار، حيث تحدثت القاهرة مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام وإسرائيل وواشنطن، وأكد المصدر أنه من غير المرجح أن تقوم إيران بالتخلي عن اللبنانيين أمام الهجمات الإسرائيلية المستمرة.
قال المصدر: “الإيرانيون جادون للغاية في عدم المضي قدماً بدون لبنان، وأضافوا بأن إيران تعتبر الطريقة التي اقترحت بها الولايات المتحدة لاحقاً أن لبنان لم يكن أبداً جزءاً من الاتفاق الأصلي بمثابة خيانة للإطار بأكمله”.
وقد أضاف مصدر إقليمي آخر بأن المسؤولين الباكستانيين والأتراك والمصريين حاولوا طمأنة بيروت والحث على الصبر أثناء استمرار الجهود الدبلوماسية، كما أكدت باكستان علناً أن نواف سلام طلب من رئيس الوزراء شهباز شريف المساعدة في وضع حد فوري للهجمات على لبنان، كما أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا صراحةً أن أي وقف لإطلاق النار بين واشنطن وطهران يجب أن يشمل لبنان.
ومع ذلك، يقول المسؤولون والدبلوماسيون اللبنانيون المطلعون على التطورات بأن سلام وعون يتعرضان أيضاً لضغوط خارجية حتى لا يظهران وكأنهما استفادا من نجاحات إيران في التصدي للهجوم الأمريكي الإسرائيلي.
على صعيد آخر، فهناك عدة دول لا تريد أن يتم تقديم لبنان كجزء من إنجاز دبلوماسي إيراني بعد فشل جهود الوساطة العربية في وقف الحر، فبالنسبة لعون، لا تتعلق القضية بالضغط الخارجي فحسب، بل بالسيادة أيضاً، فالدولة لا تريد أن يُنظر إليها على أنها راكبة في قافلة طهران، حتى لو كانت ضعيفة وتفتقر إلى النفوذ لتأمين وقف إطلاق النار بمفردها.
تولت القيادة اللبنانية السلطة في أوائل عام 2025، في أعقاب حرب إسرائيلية مدمرة على لبنان بسبب الإبادة الجماعية في غزة، مع تفويض لاستعادة سلطة الدولة ودفع الإصلاحات وإطلاق الدعم الدولي، ولكنها ظلت تعمل في ظل الانهيار الاقتصادي واحتياجات إعادة الإعمار واستمرار الاعتماد على الخارج.
تريد الحكومة اللبنانية وقفاً لإطلاق النار يحمي البلاد وأن تجري المفاوضات من خلال الدولة فقط وعملية سياسية لا تمنح طهران فوزاً رمزياً، لكنها تحاول تحقيق هذه الأهداف الثلاثة في حين لا تملك أياً من الأوراق الحاسمة تقريباً!
وقد أعلن صندوق النقد الدولي في فبراير الماضي بأن التعافي المتواضع في لبنان سوف يظل هشاً دون إصلاحات عميقة، في حين أدت الحرب المتجددة بالفعل إلى نزوح أكثر من مليون شخص أي خمس السكان، ولهذا السبب يتحدث المسؤولون اللبنانيون بشكل متزايد عن التفاوض من خلال الدولة كمبدأ دبلوماسي واستراتيجية للبقاء، وذلك يساعد في تفسير عدم ارتياح الرئاسة الواضح تجاه الآليات القديمة المستخدمة للتوصل إلى اتفاقيات مع الإسرائيليين.
منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر عام 2024، تتعامل كل من لبنان وإسرائيل من خلال لجنة هدنة برئاسة الولايات المتحدة مرتبطة بالحدود وترتيبات مراقبة تدعمها الأمم المتحدة، وفي ديسمبر عام 2025، انضم مبعوثون مدنيون إلى هذه الآلية للمرة الأولى، مما أدى إلى توسيع نطاقها إلى ما هو أبعد من مجرد تفادي النزاع العسكري.
أما اليوم، فيريد المسؤولين المقربون من عون قناة سياسية أكثر وضوحاً، ترتكز على الرئاسة والحكومة بدلاً من آلية وقف إطلاق النار القديمة.
أما إسرائيل، فتريد العكس، حيث تؤكد مصادر لبنانية وإقليمية متعددة بأن إسرائيل تحاول الفصل بين لبنان وإيران، فالإسرائيليون يريدون مواصلة الضغط على حزب الله والاحتفاظ بلبنان كورقة مساومة ومنع طهران من الادعاء بأن شروط وقف إطلاق النار الخاصة بها تحمي حلفائها.
وفي الوقت الذي يسعى فيه المسؤولون اللبنانيون إلى هدنة مؤقتة لفتح محادثات أوسع نطاقاً تشبه تلك التي جرت في إسلام أباد ولكن مع واشنطن كضامن، فإن إسرائيل تتحدث فقط عن التفاوض بينما تواصل مهاجمة لبنان.
وبالمثل، تتصادم أهداف الحكومة اللبنانية مع أهداف طهران، فوفقاً لدبلوماسي إقليمي كبير، تعارض طهران الدخول في محادثات إذا ترك لبنان مكشوفاً، ويرجع هذا جزئياً إلى أن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أنهم تعرضوا للتضليل ذات يوم، ولكن أيضاً لأن أي تخلٍ واضحٍ عن حزب الله يمكن أن يحمل ثمناً سياسياً باهظاً على الشعب الإيراني وعلى حلفائه الشيعة في لبنان.
من هذا الباب، فإن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كان لبنان قادراً على التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بل هو ما إذا كانت إيران تستطيع القبول بمفاوضات تبدو وكأنها تفصل بين الجبهات بعد إصرارها لأسابيع على ربطها، وبالنسبة للحكومة اللبنانية، فإن ذلك يخلق مأزقاً مزدوجاً.
إذا فشلت الحكومة في تأمين وقف إطلاق النار قبل المحادثات، فإنها تخاطر بالدخول في المفاوضات من موقع الضعف الشديد، ولكن إذا تم استيعاب لبنان بشكل علني في شروط طهران، فإن الدولة تخاطر بأن تكون أقل أهمية كلاعب سيادي بقدر ما تبدو كملحق للملف الإيراني.
وتقول مصادر مقربة من الرئاسة اللبنانية بأنه من المتوقع أن يصل سلام إلى واشنطن ونيويورك خلال الأيام المقبلة في محاولة لتأطير أي تقدم دبلوماسي على أنه إنجاز للدولة اللبنانية، ولكن حتى لو نجح في عرض وقف إطلاق النار كنتيجة للدبلوماسية التي تنتهجها إدارته، فإن ذلك لن يكون سبباً في إزالة أسلحة حزب الله أو مستقبل جنوب لبنان من المحادثة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
تريد الحكومة اللبنانية وقفاً لإطلاق النار يحمي البلاد وأن تجري المفاوضات من خلال الدولة فقط وعملية سياسية لا تمنح طهران فوزاً رمزياً، لكنها تحاول تحقيق هذه الأهداف الثلاثة في حين لا تملك أياً من الأوراق الحاسمة تقريباً!
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)







