إيران وذاكرة الكرامة… ما الذي لم يفهمه ترامب عن شعوب المنطقة؟

بقلم سُميّة الغنوشي

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

من الممكن قراءة التاريخ الحديث للشرق الأوسط بوصفه جدلية واحدة ممتدة لا انقطاع فيها، الإذلال والثورات التي تولدها الكرامة في مواجهته.

فمنذ الموجات الأولى للاختراق الاستعماري، تشكّلت المنطقة وفق هذا النمط، وها هي إيران  تقدم واحدة من أكثر تجلياته وضوحاً إن لم تكن الوحيدة.

في عام 1892، كان لفتوى واحدة صدرت من النجف أن تُوقف بلداً بأكمله على قدميه، لقد توقف الناس عن التدخين في أنحاء إيران بين ليلة وضحاها، في الأسواق، وفي المنازل، وحتى داخل القصر الملكي.

لم يكن الأمر متعلقاً بالتبغ، بل بالإذلال، أمة بأكملها سُلّمت إلى السيطرة الأجنبية، وللمرة الأولى قررت أن ترفض.

ثمة قاعدة بسيطة في السياسة، تعجز الإمبراطوريات عن استيعابها مراراً وهي أن الإذلال لا ينتج الخضوع، بل يولّد المقاومة.

إنه يتسلل ببطء، ويتجذر عميقاً، ثم يعود أكثر حدّة وصلابة وخطورة مما كان، لا يُنسى، بل يتراكم، وعندما ينضج، لا يعود في هيئة امتثال، بل في صورة تمرّد وتحدٍّ.

تحدٍّ جذري

والواقع أن التاريخ الحديث لإيران هو، في جوهره، تاريخ هذا التراكم، إذ لم تكن مقاطعة التبغ حادثة عابرة، بل كشفت حقيقة عميقة: شعبٌ جُرحت كرامته قادر على إسقاط السلطة الداخلية والهيمنة الخارجية معاً.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ يتشكل شيء أعمق، إنه التحالف بين المرجعيات الدينية والتجار والجمهور وهو تحالف لم يتفكك، بل تطوّر وتبلور.

وبحلول عام 1906، تجسد ذلك التحالف في الثورة الدستورية، المعروفة بالفارسية بـ”المشروطة”، كواحدة من أوائل الحركات الجماهيرية المطالبة بحكم خاضع للمساءلة في الشرق الأوسط الحديث.

وللمرّة الأولى، أُنشئ برلمان في ظل الدولة القاجارية، في محاولة لتقييد السلطة المطلقة وإضفاء الطابع المؤسسي على المشاركة السياسية، وقد مثّل ذلك تحولاً نوعياً حيث انتقلت المقاومة من الرفض إلى البناء، ومن الاحتجاج إلى التنظيم السياسي.

ثم جاء محمد مصدّق الذي أقدم في عام 1951 على تأميم النفط الإيراني، منهياً عقوداً من الهيمنة البريطانية عبر شركة النفط الأنجلو-إيرانية، ولبرهة قصيرة، بدا أن السيادة الوطنية ممكنة، لكنها لم تدم طويلاً.

إذ وفي عام 1953، أطاح انقلاب دبرته الولايات المتحدة وبريطانيا بحكومة مصدق، وأُعيد الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة، لترسخ من جديد السيطرة الأجنبية، لقد كانت الرسالة واضحة وصريحة: من غير المسموح بالاستقلال.

لم تكن الثورة الإسلامية التي اندلعت عام 1979 انفجاراً مفاجئاً، بل حصيلة تراكم طويل، إهانة فوق إهانة، وتدخل فوق تدخل، وخضوع مفروض مرة بعد أخرى، لقد كانت الثورة هي التعبير الأكثر جذرية عن هذا التاريخ المتراكم.

أما اختزالها في رواية “حفنة من رجال الدين المجانين” فهو ليس تحليلاً، بل تبسيط فج يجرّد الثورة من سياقها التاريخي والسياسي، وهذا الجهل السطحي ذاته يطبع نظرة الإدارة الأميركية إلى إيران اليوم، حيث يُختزل بلد معقد بتاريخ طويل في عبارات من قبيل “مجانين” و”متطرفين”.

في الواقع، هذا ليس مجرد جهل عابر، بل عجز دائم عن فهم إيران كما هي: تاريخها، تطورها السياسي، نسيجها الاجتماعي، ثقافتها، وذاكرتها، إنه عمى تاريخي كامل.

خطوط صدع التاريخ

ولم تكن إيران استثناءً، إذ تكرر ذات النمط في أنحاء المنطقة كافة تحت الحكم الاستعماري: الهيمنة لا تُنتج السكون، بل المقاومة، والعنف المفرط الذي استُخدم في القرن التاسع عشر لإخضاع المنطقة لم يُفضِ إلى الطاعة، بل إلى موجات متتالية من التمرد.

هذا النمط لم يظهر دفعة واحدة، بل تشكّل تدريجياً عبر أجيال، حيث أضاف كل حدث طبقة جديدة إلى ذاكرة تاريخية مشتركة.

وحتى أولئك الذين ابتعدوا عن السياسة لم يكونوا بمنأى عن هذا التحول، فالحركات الصوفية، التي كانت تتمحور حول التزكية الروحية، وجدت نفسها مدفوعة إلى المجال العام تحت ضغط الواقع، ما كان باطناً أصبح ظاهراً.

ففي الجزائر، قاد الأمير عبد القادر الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي (1830-1847)، وهو عالم صوفي وجد نفسه ينتقل من التأمل إلى المواجهة، فبنى دولة في الداخل ونظّم مقاومة منضبطة في مواجهة قوة إمبراطورية كبرى.

وفي السودان، قاد محمد أحمد الثورة المهدية (1881-1885)، محولاً نهضة دينية إلى حركة جماهيرية أسقطت نظاماً مدعوماً من القوى الإمبراطورية.

وفي ليبيا، حوّلت الحركة السنوسية شبكاتها الروحية إلى منظومة مقاومة ضد الغزو الإيطالي، وخاضت حرب بقاء طويلة امتدت من عام 1911 إلى عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.

وفي شمال المغرب، قاد عبد الكريم الخطابي ثورة الريف (1921-1926)، فوحّد القبائل، وألحق هزيمة قاسية بالقوات الاستعمارية الإسبانية في معركة أنوال عام 1921، وأقام جمهورية في الجبال قبل أن تُسقطها حملة مشتركة بين إسبانيا وفرنسا.

وعبر آسيا الوسطى، وعلى امتداد القرن التاسع عشر، تحولت شبكات النقشبندية إلى قنوات مقاومة ضد التوسع الإمبراطوري الروسي، إذ جرى تحويل الروابط الروحية إلى أدوات تعبئة جماهيرية.

ما فعلته الجيوش الزاحفة، وما أحدثه التوسع الاستعماري، هو تحويل الإيقاع الهادئ للحياة اليومية إلى طاقة انفجارية من المقاومة، تتغذى من مبدأ واحد: الدفاع عن الأرض والكرامة.

في إيران، سلكت المؤسسات الدينية في قم والنجف المسار ذاته، إذ تطورت من مراكز للعلم إلى محركات للتعبئة الشعبية، لتبلغ ذروتها في شخصيات مثل آية الله الخميني، الذي تصدّر المشهد في ثورة 1979.

هذا هو التاريخ الذي يجري تجاهله، فالمجتمع الذي تشكّل عبر الإذلال المتكرر لا يتعامل مع التهديدات كوقائع منفصلة، بل يدمجها في ذاكرته الجمعية.

لقد راهن دونالد ترامب على تفكيك المجتمع الإيراني والتلاعب بتناقضاته، لكنه فوجئ بعكس ذلك تماماً: تماسك داخلي، ووحدة تتعزز في مواجهة العدوان، سواء كان عسكرياً أو رمزياً.

عجز التهديدات

لقد صنعت عقود طويلة من الضغوط أمة لا تنصاع بسهولة للتهديدات، ولم يدرك ترامب ما يعنيه استهداف شخصية مثل علي خامنئي، فهو ليس مجرد رأس للدولة، بل مرجعية سياسية وروحية لملايين الشيعة، ومن هنا لم تتم قراءة عملية اغتياله وفي شهر إسلامي مقدس كخطوة عسكرية فحسب، بل كفعل تدنيس عميق.

ويخطئ ترامب إن اعتقد أن العنف والتهديد والإذلال كفيل بفرض الخضوع، أو أن بعض الأنظمة العربية التي تقدم التنازلات تمثل إرادة شعوبها، ففي هذه المنطقة، لا تقود الإهانة إلى الاستسلام، بل إلى عكسه تماماً.

يبدو ترامب حائراً، إذ كيف يمكن لقوة ساحقة، وحشد عسكري ضخم، واستعراض مستمر للقوة، وتصعيد لا يتوقف في التهديدات، أن يفشل في فرض الخضوع؟ والإجابة بسيطة إلى حد الصدمة: لأنه لا يعرف هذه المنطقة، لا يعرف تاريخها، لا يعرف إيران، إنه يرى القوة، لكنه يعجز عن رؤية الذاكرة.

وفي أنحاء المنطقة، هذا هو الفرق هو كل شيء، فقطاع جغرافي صغير محاصر (قطاع غزة)، يتعرض للقصف والتجويع والعزلة، ومع ذلك يرفض سكانه الاستسلام.

وبلد صغير مثل لبنان، يواجه اختلالاً هائلاً في موازين القوة، ومع ذلك لا يمكن إخضاعه بشكل نهائي أو حاسم، وحتى التقدم العسكري المحدود لا يتحول إلى سيطرة فعلية.

وها هو نهر الليطاني، الذي طالما طُرح كهدف استراتيجي، لا يزال بعيد المنال، ليس فقط من حيث الجغرافيا، بل من حيث الدلالة: عجز القوة المفرطة عن تحويل نفسها إلى خضوع دائم.

والسبب بالتأكيد ليس أن هذه المجتمعات تمتلك ترسانة خارقة، ولا أنها مدفوعة بعقلية غير عقلانية أو اندفاع أعمى، مثل هذه التفسيرات ليست سوى محاولات للهروب من الحقيقة، أما الجواب الحقيقي فيكمن في موضع آخر، في الكرامة.

الكرامة ليست مفهوماً مجرداً، بل قوة حيّة، تتجذر عميقاً في المجتمعات التي عاشت الإذلال المتكرر، قوة تقاوم الهيمنة، لا تظهر على الخرائط، ولا يمكن قياسها في موازين القوة العسكرية، ولا تستجيب بشكل متوقع للإكراه.

إنها تدفع الناس، بهدوء ولكن بحسم، إلى رفض الخضوع للغطرسة أو للاحتلال أو للمتسلط، وحتى عندما يبدو، للحظة عابرة، أن مجتمعاً ما قد خضع، فإن ذلك ليس إلا مظهراً خادعاً، فاصلاً زمنياً، لا نتيجة نهائية.

وتحت السطح، هناك شيء يستمر، شيء يتراكم، شيء ينتظر، وكما حذّر الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي في قصيدته الشهيرة مخاطباً الطغاة:

ألا أيها الظالم المستبد          حبيب الظلام عدو الحياة

سخرت بأنات شعب ضعيف   وكفك مخضوبة من دماه

حذار فتحت الرماد اللهيب   و من يبذر الشوك يجن الجراح

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا

مقالات ذات صلة