حين تصطدم الصورة بالواقع… إيران تكشف هشاشة السردية الغربية

بقلم باري مالون

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

هل كان الأمر متعلقاً بذلك الشاب الذي يرتدي بنطالاً واسعاً وحذاءً من نوع “فانز”؟ أم الفتاة ذات الثقب في أنفها؟ أم تلك التي صبغت شعرها باللون الوردي؟ أم ذلك الاستعراض اللافت للنظارات الشمسية العصرية؟

ربما كان كل ما سبق هو ما أثار رد فعل غريباً لدى المتابعين الغربيين، ولا سيما في الولايات المتحدة، عندما انتشر مقطع مصوّر لشباب إيرانيين يتحدثون في شوارع العاصمة طهران.

“هذه هي الحضارة التي قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنها ستموت الليلة”، هكذا جاء في إحدى التغريدات.

لكن اللافت لم يكن المقطع بحد ذاته، بل الدهشة التي رافقته، “هذه إيران؟ هل أنتم جادون؟” حقائب أنيقة وهواتف آيفون ووجوه جميلة؟ لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً.

والأغرب من ذلك، كان الارتفاع الملحوظ في مستوى التعاطف مع بلد كانت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تقصفانه بلا هوادة في تلك اللحظة.

“لكنهم يشبهوننا”، هكذا بدا أن كثيرين يقولون، في رد فعل يشبه الصدمة التي رافقت صور اللاجئين الأوكرانيين خلال الغزو الروسي عام 2022، لأنهم في نظر الغربيين لم يطابقوا الصورة النمطية لضحايا الحروب.

لقد تحوّل الفيديو إلى الشرارة الأولى لنقاش مستمر حول “إيران الحقيقية”، مع انتشار مقاطع أخرى لقطارات الأنفاق، والمراكز التجارية، ومقاهي “الهيبستر” العصرية، نعم، وربما يكون مقهى “Roostar” في طهران أجمل من ذلك الذي زرته في نيويورك أو لندن.

صورة نمطية مهترئة

خلال هذا الأسبوع، أثارت مقابلات ميدانية أجرتها وكالة رويترز في أحياء راقية شمال طهران حيث المقاهي الفاخرة والشباب الأنيقون موجة غضب كبيرة وانتشرت على نطاق واسع، وسط اتهامات للوكالة بترويج “صورة دعائية مضللة” عن الحياة في إيران.

في تلك المقابلات، التي أجريت خلال هدنة هشة استمرت أسبوعين بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال وإيران، لم تكن أي من النساء اللواتي تمت مقابلتهن ترتدي الحجاب.

هذه الحقيقة تحديداً أثارت غضب بعض الأمريكيين والإيرانيين في الخارج الذين كانوا يطالبون باستمرار القصف، ويرون أن الهجوم يجب أن يُستأنف.

فكلما انتشرت هذه الصور، تآكلت الصورة التي جرى ترسيخها بعناية لإيران بوصفها “مجتمعاً متخلفاً” يرفض الانخراط في “العالم المتحضر”.

ورغم بساطة هذه الحقيقة، فإن كثيرين خاصة الأكثر تطرفاً في مواقفهم يرفضون الاعتراف بها: لا توجد إجابة واحدة بسيطة لسؤال “ما هي إيران الحقيقية؟”.

والواقع أن إيران بلد شاسع يضم أكثر من 93 مليون نسمة، بتنوع عرقي وديني واسع، فهناك من يعيش في المدن، ومن يعيش في الأرياف، وهناك الأغنياء والفقراء والمتدينون وغير المتدينين والمؤيدون للنظام والمعارضون له.

لقد بات تطبيق قوانين اللباس الصارمة التي تفرض الحجاب على النساء أكثر تراخياً في بعض المناطق، خصوصاً بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت إثر وفاة مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عاماً، أثناء احتجازها لدى الشرطة بسبب “سوء ارتداء الحجاب”.

ومع تزايد عدد النساء اللواتي يخترن عدم ارتداء الحجاب في تحدٍ واضح، تبقى مشاهد شمال طهران مختلفة تماماً عن الحياة اليومية في مدن أكثر محافظة مثل قم، وهنا تكمن الفكرة الأساسية.

اختزال مدمّر

ومثل أي بلد آخر في العالم، لا يمكن اختزال إيران في صورة واحدة، لكن ذلك لم يمنع الحكومات الغربية ووسائل الإعلام الدولية التابعة لها من توظيف هذا الاختزال كسلاح عند تناول واحدة من أقدم حضارات العالم.

وبدلاً من ترديد دعاية حكوماتها طوال 47 عاماً، كان ينبغي على وسائل الإعلام الغربية أن تكرّس جهودها لأنسنة الإيرانيين، تماماً كما تفعل مع المدنيين الأمريكيين أو الأوكرانيين أو حتى سكان دولة الاحتلال.

السبب في أن مقاطع “طهران الأنيقة” حصدت ملايين المشاهدات، هو أنها اصطدمت بالصورة الذهنية التي تشكّلت لدى الجمهور الغربي عبر عقود، ونحن نعرف تلك الصور جيداً، فما أسميه “نمط المرأة التي تمر أمام الجدار” يقوم على صورة امرأة ترتدي عباءة أو حجاباً، وخلفها جدارية سياسية.

يكشف بحث سريع على “غوغل” عشرات الصور لنساء يمررن أمام جداريات: تمثال الحرية مقطوع الذراع، أو بوجه جمجمة، أو مقاتلي تنظيم “داعش” في الخلفية، أو صور لآية الله الخميني، أو شعارات تُظهر الولايات المتحدة كمصدر للأسلحة والمخدرات، أو طائرات مسيّرة إيرانية تدمر نجمة داود.

كم من الساعات أمضاها المصورون بانتظار لقطة كهذه؟ وكم من النساء التقطت صورهن دون علمهن؟ وكم مرة قرر محررو الأخبار أن هذه الصور هي “التمثيل المثالي” لإيران؟ والحقيقة أن هذه الصور توصل رسالتين واضحتين للجمهور الأولى أن هؤلاء ليسوا مثلكم، والثانية أن هؤلاء يكرهونكم.

دعاية تُغذّي الانقسام

في علم النفس الاجتماعي وعلم الأحياء التطوري، هناك مفهوم يُعرف بـ “الإيثار الضيق”، ويعني ميل الإنسان إلى تفضيل من يشبهونه (المجموعة الداخلية)، والعداء لمن يختلفون عنه (المجموعة الخارجية).

وليس من العدل اتهام الغربيين أو الأمريكيين الذين تُقصف إيران باسمهم بأنهم وحدهم عرضة لهذا الميل، بل الجميع عرضة لذلك، بدرجات متفاوتة.

لكن تخيل قوة هذا الميل حين تستغله أقوى الحكومات وأضخم المؤسسات الإعلامية في العالم، وتخيل حجم الدمار عندما يتم توظيفه من قبل أكبر الجيوش وأكثرها عدوانية في التاريخ، ومع ذلك، نحن قادرون على تجاوز هذه النزعات.

لماذا لم يشعر الأمريكيون الذين تعاطفوا مع الإيرانيين بعد مشاهدة تلك المقاطع بأي تعاطف معهم من قبل؟ ولماذا تُمنح امرأة لا ترغب في ارتداء الحجاب تعاطفاً أكبر من أخرى تختار ارتداءه؟

ما الفرق إن كانت القنابل الأمريكية وقنابل دولة الاحتلال تسقط على رؤوس علمانيين أو متدينين؟ على سكان شمال طهران أو مدينة قم؟ على مركز تجاري فاخر أو سوق متهالك؟ على معارضي النظام أو مؤيديه؟

بدلاً من تكرار دعاية الحكومات طوال عقود، كان على وسائل الإعلام الغربية أن تسرد قصة الإيرانيين كأناس، كما تفعل مع غيرهم من المدنيين العالقين في الحروب دون ذنب.

كان على الصحفيين أن يتجاوزوا الصورة السهلة والمريحة، التي تختزل إيران في نساء مضطهدات بلا إرادة، ينتظرن واشنطن لتقف بهن “نحو الحرية”، وأن يرووا قصة شعب معقد بقدر تعقيدهم هم أنفسهم، وربما لو فعلوا ذلك، لما اضطر الإيرانيون إلى ارتداء ملابس “الهيبستر” كي تُقدّر حياتهم.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة