بقلم حميد دباشي
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في يونيو/حزيران 2018، حين كانت الأجواء في دولة الاحتلال والولايات المتحدة والسعودية تعبق بالنشوة حول فكرة “تغيير النظام في إيران”، نشرتُ مقالاً قصيراً أكدت فيه أن هذا التصور ليس سوى وهم سياسي.
بل إنني قبل ذلك بسنوات، وتحديدا في عام 2010، أصدرت كتاباً بعنوان “إيران، الحركة الخضراء، والولايات المتحدة”.
في ذلك الكتاب خلصت إلى أن نضال الإيرانيين المستمر ضد الإجراءات القمعية لحكومتهم هو في جوهره “حركة حقوق مدنية” تطالب بالحريات، وليس انتفاضة ثورية يمكن لدولة الاحتلال أو الولايات المتحدة أن تتدخل فيها أو تستثمرها، وهما غارقتين في عمل لصرف الأنظار عن جرائمهما في فلسطين.
وفي مقابلة حديثة مع شبكة LBC البريطانية، أعقبت وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في إسلام آباد بين واشنطن وطهران، استُحضرت تلك الأفكار مجددا.
خلال المقابلة سألني المحاور: لماذا تواصل النخب السياسية الأميركية ارتكاب الأخطاء ذاتها رغم وجود أصوات ناقدة داخل الولايات المتحدة؟
وقد كانت الإجابة بسيطة: أمثالنا ليسوا ضمن الدائرة التي يتواصل معها لوبي “تغيير النظام”، ولا نحن أصلا مستعدون للحديث معهم.
لكن السؤال الأهم يبقى: من هم الذين يتحدثون إلى هذه الدوائر المتنفذة في واشنطن، الجالسة خلف آلة عسكرية هائلة، لتدفعها إلى قصف إيران، وتدمير جامعاتها، واستهداف أطفالها، وتخريب بنيتها التحتية، وكل ذلك استنادا إلى فرضية زائفة بإمكانية تغيير نظامها السياسي؟
الإجابة المباشرة: إن دولة الاحتلال، بقيادة مجرم الحرب الفار من العدالة بنيامين نتنياهو، نجحت في تضليل دونالد ترامب ودفعه لإطلاق القوة العسكرية الأميركية ضد إيران.
غير أن هذا التضليل لم يكن ليكتمل لولا شبكة من الإيرانيين المنفيين، الذين تحولوا إلى أدوات داخل مراكز التفكير الأميركية، من مؤسسات محافظة مثل “هوفر”، إلى مراكز ذات توجهات صهيونية راسخة مثل “بروكينغز” و”هيريتيج”، بينما لعبت صحيفة “نيويورك تايمز” دور رأس الحربة الإعلامي في الترويج لهذه السياسات.
والواقع أن الإيرانيين يعرفون كل اولئك جيداً، وها قد الوقت ليعرفهم العالم أيضاً، وأن يُحاسَبوا على الخراب الذي تسببوا به لوطنهم، بإصرارهم على دفع الولايات المتحدة لإرسال أبنائها إلى حروب عبثية.
“أي طريق إلى بلاد فارس؟”
ببحث بسيط على الإنترنت، يمكن العثور على وثيقة بعنوان “أي طريق إلى بلاد فارس؟” صدرت عام 2009، بتمويل من مركز “سابان” للسياسات الشرق أوسطية التابع لمؤسسة بروكينغز.
من الصفحة الأولى يتضح أن الوثيقة وُضعت برعاية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وتنطلق من افتراض أساسي مفاده أن وجود إيران بحد ذاته يمثل “مشكلة” و”تهديداً” يجب تحييده.
تقترح الوثيقة ثلاثة مسارات للتعامل مع إيران هي الدبلوماسية، والعمل العسكري، مع إشارة واضحة إلى دور دولة الاحتلال، وأخيرا تغيير النظام، سواء عبر ثورة ناعمة أو تمرد مسلح أو انقلاب، أما الخيار الأخير فهو الاحتواء.
المثير أن هذه الرؤية طُرحت قبل سنوات طويلة من أحداث 2025-2026، حين جرى تنفيذ هذه السيناريوهات على أرض الواقع، بينما كانت الصحافة الأميركية تمنح المنظرين أنفسهم مساحات واسعة للدعوة إلى تغيير النظام.
نموذج العراق يتكرر
حتى صحيفة “نيويورك تايمز” اضطرت مؤخراً للاعتراف بمدى سذاجة المعلومات الاستخباراتية التي روّج لها الاحتلال بغية إقناع ترامب بإمكانية إسقاط النظام الإيراني خلال أيام.
ففي غرفة العمليات، أقنع نتنياهو ورئيس الموساد دافيد برنياع الرئيس الأميركي بأن تفكيك النظام الإيراني ممكن خلال أربعة أيام فقط، لكن من أين تأتي هذه “المعلومات”؟
الحقيقة أنها تُصنّع داخل مراكز التفكير الأميركية، وتُقدَّم عبر ما يسمى “خبراء إيران”، الذين يجري إعدادهم بعناية لتغذية صناع القرار بما يريدون سماعه، لا بما يحتاجون إلى معرفته.
هذا النمط ليس جديداً، فقد سبق أن لعب أحمد الجلبي، المحتال العراقي المدان، دوراً محورياً في ترويج كذبة أسلحة الدمار الشامل، التي نشرتها الصحفية جوديث ميلر، ومهدت لغزو العراق عام 2003، كما برز كنعان مكية كصوت “معارض” يُستخدم لتشويه صورة العراق، تمهيدا للحرب.
واليوم، يعاد إنتاج السيناريو ذاته، مع شخصيات جديدة، أبرزها رضا بهلوي، الذي يسعى للعودة إلى حكم بلد غادره مراهقا ولا يفهم تعقيداته.
سيناريو قديم وممثلون جدد
وها هو المشهد يتكرر اليوم بحذافيره: دعاية إعلامية، خبراء مزيفون، ومنفيون يعملون ضد أوطانهم، بل إن الأمر بدأ بمحاولات ثقافية لتشويه صورة إيران، من خلال أعمال مثل “قراءة لوليتا في طهران”، التي جرى تحويلها إلى أداة دعائية تمهد لفكرة تغيير النظام.
في كتابي “ما بعد الاستشراق” و”بشرة سمراء، أقنعة بيضاء”، أوضحت كيف تحولت المعرفة من الدراسات الأكاديمية إلى مراكز تفكير منحازة، تعتمد على “مخبرين محليين” ينقلون ما ترغب الإمبراطورية في سماعه.
واليوم، تكفي قراءة مقالات الرأي في الصحف الأميركية لرصد هذه الشبكة، التي تقدم معلومات مشوهة تُستخدم لتبرير الحروب.
لقد انتهى عصر الدراسات الأكاديمية الجادة، وحل محله نظام معرفي هش تديره مراكز تفكير غارقة في الجهل والأوهام.
فمن “هوفر” مروراً بــ “هيريتيج” إلى “المعهد الأميركي للمشاريع”، تنتشر مؤسسات تعتمد على تصورات سطحية، وتغذي سياسات كارثية.
أما الإيرانيون المنفيون العاملون فيها، فقد تحولوا إلى أدوات في خدمة مشروع تدميري، يضر بإيران كما يضر بالولايات المتحدة نفسها.
وقد بات أكثر من 90 مليون إيراني، و300 مليون أميركي، يدفعون ثمن هذه السياسات، فيما يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه الأميركيون على أنفسهم: كيف يمكن الوثوق بأشخاص يدفعون نحو تدمير أوطانهم الأصلية؟ وما الذي يمنعهم من خيانة أوطانهم الجديدة أيضا؟
لقد بدأ الأميركيون بالفعل في التحرك لمواجهة الفساد، واستعادة حرياتهم، ووقف دعم آلة القتل التي تمولها حكوماتهم منذ عقود.
لكن المساءلة الحقيقية لن تكتمل إلا بمحاسبة هؤلاء الذين نشروا الأكاذيب، ودفعوا شعوبا بأكملها إلى حافة الكارثة.
إنهم لا يمثلون إيران، ولا يخدمون الولايات المتحدة، بل يقفون ضد مستقبل كلا البلدين على حد سواء.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







