حين تُستهدف المعرفة… قصف المراكز البحثية يكشف الوجه الأخطر للحرب على إيران

بقلم مازيار غيابي

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

في خضم هذه الحرب، تتكشف واحدة من أكثر مآسيها فداحة وخطورة: الاستهداف المتعمد للبنية الطبية والعلمية في إيران، في خطوة لا تمثل مجرد تصعيد عسكري، بل تعدّ ضربة قاسية لأسس المعرفة والإنسانية على حد سواء.

في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، وهو اليوم الأول للحرب، شنت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال هجوماً مشتركاً استهدف مكتب المرشد الأعلى الإيراني، ما أسفر عن اغتيال آية الله علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الحكوميين.

ويقع مقر المرشد الأعلى في حي يُعرف باسم “باستور”، نسبة إلى معهد باستور الإيراني، أحد أعرق مراكز البحث العلمي في الشرق الأوسط وأكثرها مكانة، والذي سبق في تأسيسه العديد من المؤسسات الحكومية، بما في ذلك مكتب الرئاسة والمجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس الخبراء.

ورغم أن المعهد نجا من القصف الأول الذي استهدف الحي، إلا أنه لم يسلم لاحقاً، إذ تعرض في الأول والثاني من أبريل/نيسان لغارات أميركية مشتركة مع دولة الاحتلال، أدت إلى تدمير مقره الرئيسي وتسوية 13 مختبراً بحثياً بالأرض.

تأسس المعهد عام 1920 في إطار اتفاق دبلوماسي بين إيران وفرنسا، وهو جزء من شبكة عالمية تضم 33 مؤسسة تحمل اسم العالم الفرنسي لويس باستور، رائد علم الأحياء الدقيقة ونظرية الجراثيم.

ويقول أحد كبار العلماء في المعهد، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته بسبب استهداف العلماء: “المبنى الرئيسي أقدم من دولة الاحتلال نفسها، كيف يمكنهم تدمير هذا الإرث التاريخي؟”.

كان المبنى التاريخي قائماً على أرض وقف ديني، قُدمت هبةً ضمن مشروع تحديث الصحة العامة في إيران، التي كانت قد عانت بشدة في بدايات القرن العشرين من مجاعات كبرى وأوبئة متكررة، مثل الإنفلونزا الإسبانية والكوليرا والتيفوئيد.

سمعة عالمية واستهداف مباشر

في الحادي والثلاثين من مارس/آذار، نفذت طائرات تابعة لدولة الاحتلال والولايات المتحدة غارة أخرى استهدفت شركة “توفيق دارو” للبحث والهندسة، وهي أكبر منتج للمواد الفعالة الدوائية في إيران.

وتُعد هذه المواد أساس فعالية الأدوية، إذ تدخل في تركيبها لتؤدي وظائف علاجية مثل القضاء على البكتيريا، ومكافحة الفيروسات، وتنظيم الهرمونات، وخفض الحرارة والالتهابات.

وقد صُدم العلماء ومسؤولو الصحة العامة من حجم هذه الهجمات، حيث أكد أحدهم أن القصف دمّر وحدات الإنتاج والبحث والتطوير، ما ستكون له “تداعيات طويلة الأمد على أدوية التخدير وعلاجات السرطان والأدوية الحيوية للمستشفيات”.

وفي غياب هذه المواد الأساسية، يواجه النظام الصحي الإيراني خطر فقدان استقلاله، والانزلاق إلى حالة تبعية في مواجهة أي أزمة صحية مستقبلية.

كما أن استهداف المؤسسات العلمية والطبية يهدد بإبقاء البلاد في حالة اعتماد طويل الأمد على الخارج، في مجالات تمتد من الإنتاج الصناعي إلى التكنولوجيا الحيوية.

ويقول أحد العلماء في طهران: “الأمر لا يتعلق بالمباني فقط، بل بتقويض التعاون العلمي والاستعداد الإقليمي لمواجهة الأوبئة”.

ويضيف: “إذا كان من يشنون هذه الهجمات يعتقدون أن الأمر يقتصر علينا، فهم مخطئون، المنطقة مترابطة بشكل كبير، وقوة البنية الصحية في دولة واحدة تنعكس مباشرة على سلامة الدول الأخرى”، حيث ترتبط المخاطر الوبائية بحركة الهجرة والتجارة والحج والنزوح، وهي جميعها مكونات أساسية للحياة في الشرق الأوسط، ذلك أن “الأمراض لا تعترف بالحدود”.

مخاطر بيئية وصحية جسيمة

يمتد معهد باستور الإيراني على مساحة 24 ألف متر مربع، ويضم مختبرات وطنية ومرجعية وبنوكاً حيوية ومرافق متخصصة في البحث والتطوير، وقد ظل لأكثر من قرن في طليعة الاستجابة للأزمات الصحية.

ومن الكوليرا والتهاب الكبد إلى برامج التطعيم خلال جائحة كورونا، اكتسب المعهد سمعة عالمية بفضل استقلاليته وابتكاراته، حيث يُعد باحثوه من رواد العلوم الطبية الحيوية.

غير أن القصف الأخير أثار مخاوف فورية من احتمال تسرب مواد بيولوجية خطرة، نظراً لاحتواء الموقع على بنوك تضم فيروسات وبكتيريا حية.

وقد حذر خبراء من أن استهداف المختبرات قد يؤدي إلى انتشار مسببات أمراض أو مواد كيميائية، مع تداعيات خطيرة وغير متوقعة على الصحة العامة، ليس فقط داخل إيران بل في المنطقة بأسرها.

ومع ذلك، طمأن متحدث باسم المعهد الرأي العام، مؤكداً أن فرقاً فنية تفقدت الموقع عقب الهجمات ولم ترصد أي تهديدات ميكروبية أو كيميائية.

ويشكل معهد باستور وشركة “توفيق دارو” ركيزتين أساسيتين في النظام الصحي والعلمي الإيراني، ومن بين القلائل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا القادرين على تصنيع مواد دوائية معقدة تُستخدم في إنتاج اللقاحات، بما في ذلك لقاحات كوفيد-19، والمكورات الرئوية، وفيروس الروتا، والتهاب الكبد.

وفي عام 2021، نجح المعهد في تطوير لقاح فعال ضد كوفيد-19 بالتعاون مع معهد فينلاي الكوبي، في تجربة فريدة من نوعها، حيث عُرف اللقاح باسم “سوبرانا 2″ في كوبا و”باستوكوفاك” في إيران، ونافس لقاحات غربية مرتفعة التكلفة.

وبررت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال استهداف المنشآت الدوائية باتهامات تفيد بأن إيران تعمل على تطوير مادة الفنتانيل ضمن برنامج حرب كيميائية، وهو ما يُعد، في حال ثبوته، انتهاكاً لاتفاقيات جنيف.

وتُعرف مادة الفنتانيل بأنها من أشد المواد الأفيونية تأثيراً، ويمكن أن تسبب فشلاً تنفسياً عند إساءة استخدامها.

وقد استُخدمت مادة مشتقة منها في عام 2002 من قبل قوات الأمن الروسية خلال عملية في مسرح “دوبروفكا” في موسكو، ما أدى إلى مقتل أكثر من مئة شخص نتيجة سوء التحكم في الجرعات وعدم توفر الترياق المناسب.

وفي الولايات المتحدة، ارتبطت هذه المادة باسم دواء “أوكسيكونتين”، الذي سوّقته شركة تابعة لعائلة ساكلر، والتي واجهت لاحقاً دعاوى قضائية بسبب دورها في أزمة الإدمان، واتهامات بالترويج المضلل والتقليل من مخاطر الاعتماد على الدواء.

غير أن هذه الخصائص لمادة الفنتانيل، بوصفها مهدئاً قوياً، استُخدمت من قبل الولايات المتحدة ودولة الاحتلال لتبرير الهجمات على القطاع الدوائي الإيراني.

ومع ذلك، لا توجد أدلة موثوقة تشير إلى تطوير إيران برنامجاً حربياً قائماً على هذه المادة، ناهيك عن وجوده في منشآت مثل “توفيق دارو” أو معهد باستور، رغم ما تروّجه بعض مراكز الأبحاث المقربة من تيارات محافظة ومؤيدة لدولة الاحتلال.

ويبدو أن استهداف البنية الطبية والعلمية في إيران يتجاوز حدود المواجهة العسكرية، ليصب في إطار محاولة دفع البلاد نحو الإذعان السياسي والعسكري، مع إبقائها في حالة اعتماد طويل الأمد على الخارج.

وبالنسبة لدولة لطالما اعتزت بإسهاماتها في مسيرة العلم، فإن هذه الهجمات لا تمثل مجرد خسائر مادية، بل وصمة عميقة في مسار سعيها نحو السيادة العلمية والتكنولوجية، وهما من الركائز الأساسية لنضالها منذ القرن العشرين.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة