ترجمة وتحرير موقع بالعربية
لقد حشرت الاضطرابات الأخيرة في الشرق الأوسط باكستان في موقف استراتيجي حساس غير مسبوق، ففي أعقاب الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ومقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ردت طهران باستهداف العديد من دول الخليج، بما فيها السعودية.
وقد أثارت الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار الإيرانية على أهداف سعودية تساؤلات جديدة في إسلام آباد حول الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقعتها باكستان مؤخراً مع الرياض، حيث قدم وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أوضح إشارة حتى الآن إلى أن اتفاقية الدفاع قد تؤثر على الدبلوماسية الإقليمية.
“أثيرت مخاوف عندما وقعت باكستان على الاتفاقية الأمنية مع السعودية، حتى عندما كان حكام باكستان يحتفلون بالاتفاقية، فالدخول في سياسة الفصائل في الشرق الأوسط ليس في صالح باكستان، ولا تنسوا أنه بعد إيران، يوجد أكبر عدد من السكان الشيعة في باكستان” – عائشة صديقة- محللة شؤون الدفاع الباكستانية
خلال مؤتمر صحفي في إسلام آباد ثم في البرلمان، قال دار بأنه طرح الحديث عن الاتفاق بشكل مباشر في محادثاته مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، واصفاً الاتصالات الدبلوماسية الأخيرة: “لدينا اتفاقية دفاع مع السعودية، وقد نقلت ذلك إلى الجانب الإيراني”، فردت طهران بالسعي للحصول على ضمانات بأن الأراضي السعودية لن تستخدم كقاعدة انطلاق لشن هجمات ضد إيران على حسب نقله.
وأشار دار أيضاً إلى أن التفاهم ربما يشكل بالفعل حسابات إيران، فقال: “لقد كانت أقل الهجمات من إيران ضد السعودية وسلطنة عمان”، ونسب الفضل إلى المشاركة الدبلوماسية في منع تصعيد أوسع نطاقاً.
وتمثل تعليقات دار واحدة من أولى الاعترافات العلنية من جانب مسؤول باكستاني كبير بأن اتفاق الدفاع يمكن تطبيقه في مواجهة تشمل إيران.
أول اختبار جيوسياسي للاتفاقية
تمثل الأزمة أول اختبار جيوسياسي للاتفاقية، التي تم التوقيع عليها خلال الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى السعودية في سبتمبر الماضي.
ورغم تقديم الاتفاقية كإطار للتعاون الدفاعي، إلا أن بندها الأساسي يحمل عواقب محتملة بعيدة المدى، فالعدوان على دولة واحدة يجب التعامل معه باعتباره عدواناً على كليهما، بحسب الاتفاقية، كما يوجد في قلب الاتفاقية مبدأ مشابه من حيث الهيكل للمادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، والتي توضح بالتفصيل التزامات الدفاع الجماعي.
من ناحية أخرى، فقد وصفت البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومتين المعاهدة بأنها تنص على أن “أي اعتداء على أي من البلدين يعتبر اعتداء على كليهما”، فمن الناحية النظرية، تشير مثل هذه اللغة إلى أن باكستان قد تضطر إلى المساعدة إذا تعرضت السعودية لهجوم مستمر.
حتى الآن، لم تلجأ إسلام أباد ولا الرياض إلى تفعيل الاتفاقية رسمياً، لكن الأزمة الحالية طرحت هذا الموضوع للمناقشة العامة بطرق كان يتم تجنبها في السابق، وبالنسبة لباكستان، الدولة التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع السعودية ولها حدود طويلة مع إيران ومشهد طائفي معقد في الداخل، فإن المخاطر المترتبة على هذا الالتزام مرتفعة جداً.
أما من الناحية العملية، يظل تنفيذ الاتفاق غامضاً بشكل متعمد، حيث يقول مسؤولون باكستانيون بأن الأمر لا يتطلب تدخلاً عسكرياً تلقائياً ويسمح لكل دولة بتحديد شكل الدعم وفقاً للمصالح والقدرات الوطنية.
في حديثه لميدل إيست آي، قال الأستاذ في الدراسات الأمنية والاستراتيجية في كلية الدفاع الوطني بدولة الإمارات، زاهد شهاب أحمد، بأنه إذا طال أمد الحرب، فقد تطلب السعودية من باكستان المساعدة عسكرياً، فقال: “في مثل هذا الوضع، تكون باكستان في وضع الاستعداد وليست في وضع يسمح لها برفض الدعم للسعودية”.
ويعتقد قسم من الخبراء أيضاً بأن باكستان تُستخدم كقناة دبلوماسية بين الخصمين الإقليميين، مما يعكس علاقات إسلام أباد الطويلة مع كل من الرياض وطهران، ففي حديثها لميدل إيست آي أيضاً، أشارت محللة شؤون الدفاع الباكستانية المقيمة في لندن، عائشة صديقة، بأن “السعودية تبدو مترددة في الانخراط بشكل مباشر في الصراع رغم الضربات الإيرانية على أراضيها”، وأضافت: “وبالتالي، طلبت الرياض من إسلام آباد نقل الرسالة إلى طهران بعدم مهاجمة أراضينا، لأننا لسنا منخرطين في الصراع”.
التهديد الهندي
ويتشكل الحيز المتاح لباكستان للمناورة من خلال البيئة الأمنية الخاصة بها بشكل كبير، فالبلاد تتعرض حالياً إلى ضغوط أمنية داخلية وإقليمية متعددة، بما في ذلك التوترات عبر الحدود مع إدارة طالبان الأفغانية، حيث تطلب الصراع انتشاراً عسكرياً مستمراً على طول الحدود الغربية لباكستان، مع اشتداد الاشتباكات الحدودية في الأشهر الأخيرة.
في الوقت نفسه، يستمر التنافس مع الهند في إملاء التخطيط الدفاعي، حيث أكد مسؤولون عسكريون سابقون بأن الجزء الأكبر من القدرة العسكرية التقليدية الباكستانية لا يزال موجهاً نحو الحدود الشرقية، حيث تحتفظ القوات المسلحة بتركيزات كبيرة واستعداد عملياتي مرتفع، ما يعني أن أي انتشار كبير لدعم السعودية “سوف يتطلب إعادة تخصيص محفوفة بالمخاطر للموارد”، وفقاً لمسؤول عسكري متقاعد مقيم في إسلام آباد.
بالنسبة لإسلام آباد، يحمل أي تحالف عسكري ضد طهران تكلفة محلية باهظة، فما يقرب من 15- 20% من سكان باكستان البالغ عددهم 240 مليون نسمة هم من المسلمين الشيعة، والعديد منهم يحتفظون بروابط ثقافية ودينية عميقة مع إيران
ولا يزال المسؤولون والخبراء الأمنيون منقسمين حول شكل المساعدة المحددة التي قد تطلبها الرياض، ففي حين يشير البعض إلى أن النشر العسكري الكامل أمر ممكن في الظروف القصوى، إلا أن المعظم ينظر إلى الدعم المحدود، مثل تبادل المعلومات الاستخبارية أو الدوريات البحرية في بحر العرب أو التعاون الفني في مجال الدفاع الجوي باعتباره أكثر واقعية بكثير.
موازنة عالية المخاطر
من ناحية أخرى، تعد الشراكة مع الرياض بمثابة شريان حياة مالي مهم لإسلام أباد، حيث يقوم أكثر من 4 ملايين باكستاني يعملون في الخليج بتحويل مليارات الدولارات سنوياً، مما يوفر وسادة حيوية لاحتياطيات باكستان المستنزفة من النقد الأجنبي.
وإلى جانب هذه التحويلات، عملت السعودية في كثير من الأحيان على استقرار الأزمات الاقتصادية المتكررة في باكستان من خلال ودائع البنك المركزي ومدفوعات النفط المؤجلة والتعهدات الاستثمارية الطموحة، وعلى الجانب الآخر، تعهد مسؤولون سعوديون بمواصلة إمداد باكستان بالنفط عبر طريق البحر الأحمر.
ويعد البعد الأمني مترسخاً بالقدر نفسه، حيث قدم أفراد الجيش الباكستاني التدريب والدعم الاستشاري للمملكة على مدى عقود، والأهم من ذلك، أن التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب الذي تقوده السعودية يرأسه حالياً قائد الجيش الباكستاني السابق الجنرال رحيل شريف.
رغم ما سبق، إلا أن هذه “العلاقة الخاصة” تتعرض لضغوط متزايدة مع تصاعد التوترات الإقليمية مع إيران، فبالنسبة لإسلام آباد، يحمل أي تحالف عسكري ضد طهران تكلفة محلية باهظة، فما يقرب من 15- 20% من سكان باكستان البالغ عددهم 240 مليون نسمة هم من المسلمين الشيعة، والعديد منهم يحتفظون بروابط ثقافية ودينية عميقة مع إيران، وفي الأيام الأخيرة، واجهت الحكومة ردود فعل داخلية عنيفة بسبب حيادها تجاه الهجوم على طهران.
وقد صرح النائب العلامة رجا ناصر عباس، وهو شخصية معارضة في البرلمان الباكستاني ورئيس حزب سياسي شيعي كبير، بأن الحكومة يجب أن تصدر “إدانة صريحة” لإسرائيل والولايات المتحدة وتؤكد رسمياً “حق إيران في الدفاع عن سيادتها”.
علاوة على ذلك، فقد اندلعت احتجاجات عنيفة من قبل الجماعات الشيعية في عدة مدن باكستانية، بما فيها كراتشي وإسلام آباد، بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في غارات أمريكية إسرائيلية، حيث قُتل ما لا يقل عن 23 شخصاً خلال الاضطرابات التي وقعت في ذلك اليوم.
ويشكل التهديد بحدوث اضطرابات طائفية داخلية عاملاً مهدداً يتعين على باكستان موازنته إن تطلب الأمر أي خطوة عملية، فوفقاً لمسؤول أمني باكستاني كبير، تحدث إلى ميدل إيست آي شريطة عدم الكشف عن هويته: “نحن نتفهم المشاعر السائدة في الشارع، لكن على الدولة أن تتصرف وفق المصالح الوطنية طويلة المدى”.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين بأن مواجهة باكستان لإيران دفاعاً عن السعودية لن تخدم مصالح إسلام آباد، حيث قالت صديقة: “أثيرت مخاوف عندما وقعت باكستان على الاتفاقية الأمنية مع السعودية، حتى عندما كان حكام باكستان يحتفلون بالاتفاقية، فالدخول في سياسة الفصائل في الشرق الأوسط ليس في صالح باكستان، ولا تنسوا أنه بعد إيران، يوجد أكبر عدد من السكان الشيعة في باكستان”، محذرة من أن فتح جبهات متعددة سيكون خطيراً بالنسبة للبلاد، فقالت: “هذا وقت حرب، فالسؤال هو كيف يمكن لباكستان أن تسهل الصداقة بين السعودية وإيران الآن؟”.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)







