لبنان على خط النار… حرب إيران تضع مستقبل حزب الله أمام اختبار حاسم

بقلم هشام صفّي الدين
ترجمة وتحرير نجاح خاطر

أدّت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال على إيران إلى إشعال حريق إقليمي واسع، أصبح لبنان أحد أبرز ساحاته الساخنة.

فبعد يومين فقط من الهجوم على إيران، أطلق حزب الله صواريخ عبر الحدود باتجاه مدينة حيفا، وسرعان ما ردّت دولة الاحتلال بسلسلة من هجمات القصف واسع النطاق، ومحاولات الاغتيال المستهدفة، إضافة إلى توغلات برية.

ومن غير المرجح أن تؤثر هذه الجولة الجديدة من القتال على الجبهة اللبنانية بشكل كبير في مسار الحرب على إيران، لكنها ستكون ذات تبعات خطيرة على مستقبل المقاومة المسلحة في لبنان، وعلى خطط التوسع التي تنتهجها دولة الاحتلال، بما في ذلك احتمال احتلال مساحات أوسع من الأراضي في جنوب لبنان.

فبعد اندلاع الأعمال القتالية بفترة وجيزة، صوّتت الحكومة اللبنانية على حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، بدلاً من اتخاذ إجراءات ملموسة لصدّ عدوان الاحتلال.

وفي الواقع، شكّل هذا القرار انقلاباً سياسياً وقانونياً على حق المقاومة، وهو يمثل تتويجاً لسلسلة من المراسيم الحكومية التي صدرت منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وكلها تهدف إلى التراجع عن الغطاء الرسمي للمقاومة المسلحة الذي كان قائماً منذ منتصف تسعينات القرن الماضي.

وقبل هجماته الصاروخية الأخيرة، كان حزب الله ملتزماً بالكامل باتفاق وقف إطلاق النار، في حين استمرت انتهاكات دولة الاحتلال بلا توقف. 

وخلال فترة وقف الأعمال العدائية المعلنة، أسفرت هجمات الاحتلال على لبنان عن استشهاد نحو 400 شخص وإصابة أكثر من 1100 آخرين.

كما رفضت قوات الاحتلال الانسحاب من خمس نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، بينما واصلت تنفيذ توغلات منتظمة لتدمير الممتلكات أو اختطاف المواطنين.

وقود لبناني للنار الإسرائيلية

وقد ساهمت الحكومة اللبنانية في تأجيج الوضع عبر تشديد الحصار الاقتصادي على مجتمع المقاومة في جنوب لبنان. 

فقد توقفت جهود إعادة الإعمار تحت ذريعة نزع سلاح حزب الله وقطع التدفقات المالية القادمة من دول متعاطفة مثل إيران أو بعض المناطق في العراق.

وعلى الصعيد العسكري، جرى نشر الجيش اللبناني في الجنوب في إطار مساعٍ لإظهار سيادة الدولة، غير أن عملياته اقتصرت على مصادرة أسلحة حزب الله تماشياً مع مطالب الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، بدلاً من الدفاع عن السيادة اللبنانية في مواجهة تهديدات الاحتلال.

وخلال هذه الفترة، سعى الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام إلى ممارسة ضغط دبلوماسي لإجبار دولة الاحتلال على الالتزام، لكن دون جدوى، كما أن رهانهما على تحسين القدرات العسكرية للجيش اللبناني وصل إلى طريق مسدود.

وتطالب قوى سياسية منسجمة مع الأجندة الأميركية وأجندة الاحتلال بأن يقوم الجيش اللبناني بقمع حزب الله بالقوة، وهو ما يشكّل وصفة جاهزة لإشعال حرب أهلية.

أما المؤتمر الذي رُوّج له كثيراً في باريس لدعم الجيش اللبناني، وكان مقرراً عقده في الخامس من مارس/آذار، فقد تم إلغاؤه بعد اندلاع الحرب الحالية.

ومع ذلك، تشير حزم المساعدات السابقة إلى أن أي تمويل مستقبلي للجيش سيذهب على الأرجح إلى دفع رواتب الجنود والتعامل مع الفاعلين غير الحكوميين، بدلاً من مواجهة التهديدات الخارجية.

وفي خضم هذه الحرب، يجد الجيش اللبناني نفسه في مرمى مطالب متعارضة، فمن جهة، تطالب قوى سياسية متحالفة مع الأجندة الأميركية والإسرائيلية بأن يستخدم الجيش القوة ضد حزب الله، وهو ما قد يفتح الباب أمام حرب أهلية، وحتى الآن، قاوم قائد الجيش رودولف هيكل هذا المسار.

ومن جهة أخرى، فإن التقارير التي تحدثت عن انسحاب الجيش من عدة مواقع في الجنوب مع بدء القتال، وعجزه عن مواجهة هجمات الاحتلالل عززت الادعاءات بأنه ضعيف للغاية بحيث لا يستطيع حماية سيادة البلاد.

جبهات مترابطة

وإذا لم يعد من الممكن استخدام الجيش كورقة ضغط ضد حزب الله، فإن الورقة المتبقية أمام خصومه تتمثل في محاولة إحداث شرخ بين الحزب وقاعدته الاجتماعية وحليفه الأقرب، حركة أمل، عبر تحميل حزب الله مسؤولية معاناة السكان بدلاً من تحميلها لدولة الاحتلال.

وقد يبدو توقيت النزوح وظروفه مناسبين لهذه الاستراتيجية، إذ تقدّر الحكومة اللبنانية أن أكثر من 517 ألف شخص اضطروا إلى النزوح خلال الأسبوع الماضي وحده، وهي موجة النزوح الجماعي الثانية خلال أقل من عامين.

كما أن فصل الشتاء يزيد من صعوبة الوضع، في ظل محدودية قدرة الدولة على توفير المأوى والغذاء، في حين ارتفعت أسعار الإيجارات بشكل كبير.

غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد جزئياً على الأداء العسكري لحزب الله في المدى القريب، وعلى نتائج الحرب في المدى الأبعد.

فقد يشعر كثير من النازحين بالإحباط أو ينتقدون قرار حزب الله إطلاق الصواريخ، بصرف النظر عن المؤشرات التي تفيد بأن دولة الاحتلال قد تكون تخطط لغزو واسع النطاق بعد استدعائها مئة ألف جندي احتياط.

لكن مجتمع المقاومة، بمن فيهم النازحون، يدركون أيضاً أن الشرارة ليست هي السبب الحقيقي، فذاكرتهم ما تزال حية بعقود من اعتداءات الاحتلال وبخبراتهم المباشرة مع هجماته الأخيرة والمستمرة.

كما أنهم يدركون تماماً الطموحات الاستيطانية الاستعمارية القديمة لدولة الاحتلال جنوب نهر الليطاني.

وإذا أدت الحرب إلى إعادة التفاوض على شروط وقف إطلاق النار بحيث تنتهي الانتهاكات والاحتلال الإسرائيلي، ويعود المدنيون اللبنانيون بأمان إلى ديارهم، وتبدأ عملية إعادة الإعمار فإن أي انتقادات لتكتيكات حزب الله ستتلاشى، وستستعيد الثقة الشعبية بقدرته على حمايتهم بعد عامين من الشكوك.

أما إذا انتهت الحرب بعودة الوضع إلى ما كان عليه، أو بتحقيق مكاسب إضافية لدولة الاحتلال، فسيكون لذلك أثر معاكس تماماً.

لكن احتمال تحقق أي من هذين السيناريوهين لا يتوقف على العوامل الداخلية في لبنان وحدها، بل سيتأثر أيضاً بنتائج الحرب الإقليمية وبقدرة إيران على الصمود أمام الهجوم الأميركي-الإسرائيلي الحالي.

إن ترابط الجبهتين يذكّر بأن الصراع الجاري في الشرق الأوسط ليس مجرد نزاع داخلي أو وطني، بل أزمة أوسع قد تعيد تشكيل مستقبل الإمبريالية الأميركية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني لعقود قادمة.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة