بقلم علي باكير
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
تحولت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال على إيران بسرعة إلى أزمة إقليمية واسعة، جرّت دول مجلس التعاون الخليجي إلى صراع لم تكن تسعى إليه أصلاً.
ومع تصاعد وتيرة القتال، تجد دول المجلس، السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان، نفسها في قلب العاصفة.
فبينما تدفع دولة الاحتلال واشنطن نحو مزيد من التصعيد، تتبنى إيران استراتيجية حرب الاستنزاف، لتجد دول الخليج نفسها تتحمل النصيب الأكبر من التداعيات الاقتصادية والأمنية.
في مثل هذا الوضع الهش، تبدو الأدوات الدبلوماسية التقليدية والإجراءات الدفاعية غير كافية.، ومع ذلك، يمتلك مجلس التعاون أداة جذرية وغير تقليدية، لكنها بالغة الفاعلية، يمكن أن تفرض وقف الأعمال العدائية تتمثل في قرار جماعي بوقف كامل لصادرات النفط والغاز تحت بند “القوة القاهرة”.
في ظل المعادلات الحالية للحرب، لا يبدو أن لدى الأطراف المتحاربة حافزاً حقيقياً لوقف القتال.
فبالنسبة لدولة الاحتلال، تبقى الكلفة محدودة نسبياً، إذ تتحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر من العمليات العسكرية.
أما إيران، فقد تبنت استراتيجية حرب استنزاف طويلة الأمد، تهدف إلى إنهاك خصومها عبر ضغط مستمر بدلاً من السعي إلى انتصارات عسكرية حاسمة.
استراتيجية الضغط على الخليج
جزء أساسي من الاستراتيجية الإيرانية يقوم على استهداف البنية التحتية الحيوية في دول مجلس التعاون، بما يؤدي إلى تعطيل إنتاج الطاقة ورفع مستوى الضغوط الاقتصادية على العالم.
وقد بدأت هذه التداعيات بالفعل تظهر بوضوح، فدول الخليج تدفع ثمناً باهظاً للحرب.
إذ ضربت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية مواقع طاقة حيوية في المنطقة.
ففي قطر، أدت الهجمات على مجمع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال الأكبر في العالم إلى وقف الإنتاج وإعلان حالة “القوة القاهرة” على الشحنات.
وفي السعودية، واجهت مصفاة رأس تنورة، التي تتجاوز طاقتها 500 ألف برميل يومياً، إغلاقات احترازية بعد اعتراض طائرات مسيّرة في محيطها.
كما شهدت الإمارات حوادث مماثلة قرب حقل الفجيرة النفطي، فيما تعرضت مصفاة الأحمدي في الكويت لتهديدات مشابهة.
وفوق ذلك، أدت الهجمات على ناقلات النفط قرب مضيق هرمز إلى تعطيل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، الذي يمر عبره نحو 20% من شحنات النفط والغاز العالمية.
تداعيات اقتصادية قاسية
لقد خلقت هذه التطورات آثاراً اقتصادية فورية وقاسية، فقد ارتفعت أسعار خام برنت بشكل حاد، كما قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 54% عقب توقف صادرات الغاز القطري.
وفي الوقت نفسه، شهدت الأسواق المالية العالمية تراجعات ملحوظة، بينما تزايدت المخاوف من اضطرابات طويلة الأمد قد تؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون، يتضاعف الضغط، فهي إما أن تتحمل هذه الخسائر المتزايدة عبر تعزيز الإجراءات الأمنية وتحمل الأعباء الاقتصادية، أو أن ترد على الهجمات وتخاطر بالانخراط المباشر في الحرب.
لكن أياً من هذين الخيارين يحمل مخاطر كبيرة، فالرد العسكري قد يُفسَّر من قبل دولة الاحتلال على أنه انضمام رسمي إلى التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في الحرب.
وفي كلتا الحالتين، ستنزلق المنطقة نحو مزيد من الفوضى، مع استنزاف الموارد وارتفاع تكاليف الدفاع دون تحقيق مكاسب واضحة.
وحتى الآن، تعاملت دول الخليج بدرجة عالية من المسؤولية، محاولة امتصاص تداعيات الحرب واحتواء آثارها، غير أن قدرات احتمالها ليست بلا حدود.
فالكلفة المالية للحفاظ على حالة التأهب القصوى واعتراض الهجمات المتكررة تتزايد يوماً بعد يوم.
كما أن أنظمة الدفاع الجوي لا تستطيع لفترات طويلة مواجهة هجمات رخيصة التكلفة وغير محدودة العدد، مثل الطائرات المسيّرة الإيرانية.
وإذا نفدت مخزونات الصواريخ الاعتراضية، فإن تعويضها سيكون مكلفاً وصعباً وغير مستدام.
وعند تلك النقطة، ستجد دول مجلس التعاون نفسها أمام خيارات شديدة الصعوبة، إذ تصبح أكثر عرضة لتصعيد الحرب وتداعياتها.
وقد تشمل هذه التداعيات خسائر اقتصادية ضخمة، واستهدافاً متزايداً للبنية التحتية الحيوية، فضلاً عن مغادرة العمالة الأجنبية وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية في حال استمرار الحرب لفترة طويلة.
أما جهود الوساطة، فمن غير المرجح أن تنجح، لأن الحسابات الأمريكية ما تزال مرتبطة أساساً بمصالح دولة الاحتلال، لا بمصالح دول الخليج.
الحل الجذري
في ظل هذا المشهد القاتم واستنفاد الخيارات التقليدية، يبرز خيار جذري لكنه منطقي: قرار موحد من دول مجلس التعاون بوقف كامل لصادرات النفط والغاز حتى تنتهي الحرب، تحت بند القوة القاهرة.
هذا الإجراء لن يكون عملاً عدائياً، بل خطوة دفاعية لحماية المنشآت الحيوية المهددة، ووسيلة لفرض نهاية لصراع يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ينتج مجلس التعاون نحو 20% من النفط العالمي، إضافة إلى حصة كبيرة من سوق الغاز الطبيعي المسال.
وسيخلق وقف الصادرات بشكل جماعي صدمة اقتصادية عالمية فورية، ويغيّر ميزان القوى بسرعة، ويمنح دول الخليج زمام المبادرة.
وبذلك تتحول هذه الدول من أطراف متضررة جُرّت إلى الحرب قسراً، إلى أطراف فاعلة قادرة على تحديد مسارها.
إن تعليق صادرات الطاقة الخليجية سيجبر الولايات المتحدة ودولة الاحتلال وإيران على إعادة تقييم مواقفها فوراً.
فالنقص الحاد في الطاقة سيؤدي على الأرجح إلى ضغوط دولية واسعة، ويشعل موجة غضب شعبي في الغرب.
وسيجد الرأي العام الأمريكي نفسه أمام أزمة اقتصادية داخلية تدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بعيداً عن مصالح دولة الاحتلال.
أما إيران، التي تعاني اقتصادياً أصلاً بسبب العقوبات والحرب، فقد تجد نفسها أمام ضغط إضافي يدفعها إلى تقديم تنازلات.
وفي المقابل، ستواجه الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تداعيات اقتصادية داخلية قاسية، قد تدفعهما إلى القبول بالتفاوض.
استعادة زمام المبادرة
تملك دول مجلس التعاون مبرراً واضحاً وقوياً لمثل هذا القرار، فبنيتها التحتية الحيوية تتعرض للاستهداف دون استفزاز مباشر منها.
لقد جرى جرّها إلى الحرب بفعل سياسات الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، بينما تتحمل هي تكاليف الدفاع والأمن وتتعرض في الوقت نفسه للهجمات الإيرانية، ومن حقها حماية سيادتها ومنشآتها الاستراتيجية.
صحيح أن كلفة الحظر النفطي ستكون كبيرة على دول الخليج، لكنها في الواقع تتحمل بالفعل خسائر ضخمة دون أن تمتلك أي تأثير حقيقي على مسار الحرب.
وما دام أطراف الحرب الرئيسيون يتحملون كلفة محدودة أو يعتمدون استراتيجية الاستنزاف، فإن الصراع سيستمر في استنزاف موارد الخليج وتهديد استقرار المنطقة.
بل إن تدفق النفط والغاز قد يتوقف في نهاية المطاف بفعل الهجمات أو التهديدات العسكرية، سواء أرادت دول الخليج ذلك أم لا.
لكن اتخاذ القرار بشكل استباقي يمنحها القدرة على التحكم في توقيت الإغلاق وفي الرواية السياسية المصاحبة له.
كما أن دول المجلس تمتلك احتياطيات مالية ضخمة، فصناديقها السيادية التي تملك تريليونات الدولارات يمكنها امتصاص خسائر الإيرادات على المدى القصير.
كما أن اتخاذ خطوات سريعة لتأمين السيولة عبر بيع بعض الأصول أو إعادة ترتيب الاستثمارات يمكن أن يخفف من الصدمة الأولى.
وفوق ذلك، فإن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة نقص المعروض قد يعوض جزئياً انخفاض الكميات المصدرة عندما تُستأنف الصادرات لاحقاً.
الخيار الأقوى غير العسكري
في النهاية، ما دامت الأطراف المتحاربة لا تتحمل تكاليف كبيرة للحرب أو تواصل اتباع استراتيجية الاستنزاف، فإن الصراع سيستمر في إنهاك الخليج وزعزعة استقرار المنطقة.
في هذا السياق الخطير، يبرز قرار جماعي من دول مجلس التعاون بوقف صادرات النفط والغاز بوصفه أقوى إجراء غير عسكري متاح لإنهاء الحرب.
فمن خلال استثمار موقعها الفريد في أسواق الطاقة العالمية، تستطيع دول الخليج دفع المجتمع الدولي إلى التدخل وإجبار الأطراف المتحاربة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ورغم ما ينطوي عليه القرار من مخاطر وتكاليف كبيرة، فإنه يمنح دول الخليج فرصة لاستعادة السيطرة على مصيرها، والتحول من ضحايا صامتين إلى صانعي سلام في المنطقة.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







