حرب إيران تضعف الثقة العالمية في القيادة الأمريكية

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

يعتقد خبراء أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة بالتعاون مع دولة الاحتلال ضد إيران بدأت تُحدث ارتدادات واسعة على شبكة تحالفاتها الدولية، من شرق آسيا إلى الخليج وأوروبا، في صراع يفتقر إلى تعريف واضح لأهدافه ويثير تساؤلات متزايدة حول كفاءة إدارته.

فقد جرى سحب أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية وقوات عسكرية من شرق آسيا، بينما قوبلت مطالب دول الخليج الغنية بالنفط بالحصول على صواريخ اعتراض دفاعية بالتجاهل، كما جرى إقحام قاعدة جوية في رومانيا ضمن العمليات المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.

وسرعان ما تحول ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه مجرد “نزهة صغيرة” إلى أكبر استنزاف للبنية الأمنية للقوة العظمى الأولى في العالم منذ نهاية الحرب الباردة.

إذ تعتمد الولايات المتحدة على موارد حلفائها حول العالم لخوض الحرب ضد الجمهورية الإسلامية، في وقت يتساءل فيه مشرعون وقادة دوليون عن الغرض الحقيقي من هذا الصراع.

ويزداد الوضع تعقيداً مع عجز إدارة ترامب حتى الآن عن تقديم إجابات واضحة على أسئلة عسكرية أساسية، مثل كيفية كسر إغلاق إيران لمضيق هرمز أو كيفية كبح أسعار الطاقة التي ارتفعت بشكل حاد نتيجة الحرب.

وقال بيتر فرانكوبان، أستاذ التاريخ العالمي في جامعة أكسفورد، لموقع ميدل إيست آي: “المشكلة التي ستضطر الولايات المتحدة إلى التعافي منها هي فقدان المصداقية بعد أن فتحت صندوق باندورا دون التفكير فيما سيحدث لاحقاً، إن إظهار نقص الكفاءة أمام العالم أمر سيئ للغاية”.

حرب بلا نتائج حاسمة

ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، أظهرت العمليات العسكرية أنه يمكن استهداف إيران بضربات بعيدة المدى، فقد تم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي (86 عاماً) في الهجمة الأولى للحرب، فيما أعلنت الولايات المتحدة يوم الجمعة أنها استهدفت نحو 6000 موقع داخل إيران.

غير أن الدعوة التي أطلقها ترامب للإيرانيين للسيطرة على مؤسسات الحكم لم تتحقق حتى الآن، كما جرى تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً.

ورفض شركاء واشنطن الأكراد الانخراط في تمرد ضد طهران كما كانت تأمل الولايات المتحدة، ولا توجد مؤشرات تدل على انهيار الحكومة الإيرانية.

بل على العكس، ظهر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والمسؤول الأمني البارز علي لاريجاني يوم الجمعة وهما يتجولان في وسط طهران بين آلاف المواطنين، رغم الغارات الجوية التي نفذتها دولة الاحتلال في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، تواصل إيران الضغط على مدن خليجية مثل الدوحة والمنامة ودبي باستخدام طائرات “شاهد” المسيّرة منخفضة التكلفة، بينما يجري استنزاف صواريخ الاعتراض الأمريكية باهظة الثمن.

كما هزّ هجوم إيراني مدينة تل أبيب يوم الجمعة، فيما تحوّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الطاقة العالمية، إلى ساحة توتر بعد تعرض ست سفن على الأقل لهجمات خلال هذا الأسبوع.

وكل هذه العمليات تنفذها دولة تتعرض في الوقت نفسه لغارات جوية مكثفة وتخضع لعقوبات أمريكية قاسية منذ أربعة عقود.

“لحظة سويس” أمريكية

وقال فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية وخبير شؤون الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد: “أعتقد أننا نشهد لحظة شبيهة بأزمة السويس بالنسبة للولايات المتحدة”، في إشارة إلى أزمة عام 1956 عندما تحالفت بريطانيا وفرنسا مع دولة الاحتلال لمهاجمة مصر بعد تأميم الرئيس المصري جمال عبد الناصر لقناة السويس.

لكن الولايات المتحدة في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور أجبرت حلفاءها الأوروبيين ودولة الاحتلال على التراجع، وقد أصبحت تلك الأزمة مثالاً تاريخياً كلاسيكياً على تجاوز الإمبراطوريات حدود قدرتها.

ومع ذلك، يشير الخبراء إلى اختلافات مهمة بين الحرب الحالية وأزمة السويس، فمن غير المتوقع أن تخرج إيران بعد تعرضها لضربات قاسية منتصرة من الحرب أو أن تقدم نظاماً أمنياً بديلاً للولايات المتحدة.

وبحسب تصريحات ترامب نفسه، فإن روسيا تقدم دعماً للهجمات الإيرانية ضد الولايات المتحدة، كما كشف موقع ميدل إيست آي أن الصين أرسلت أنظمة دفاع جوي وأسلحة هجومية إلى طهران.

وقال مسؤول عربي للموقع إن إمدادات الأسلحة مستمرة دون انقطاع، إلا أن الخبراء يرون أن الصين وروسيا تكتفيان بدور إرباك النفوذ الأمريكي في المنطقة دون أن تحلا محله.

وقال جرجس: “لا توجد قوة عظمى لتحل محل الأمريكيين، بخلاف ما حدث عندما تم تهميش البريطانيين والفرنسيين”.

دروس من التاريخ

ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن التاريخ يظهر أن القوى الإمبراطورية يمكن أن تستمر لفترة طويلة حتى بعد تعرضها لانتكاسات.

فقد واصلت بريطانيا التدخل في اليمن والخليج لمدة عشرين عاماً بعد أزمة السويس، ولم تغادر آخر قواتها الإمارات الحالية إلا عام 1971، وحتى اليوم، لا تزال بريطانيا تساعد الإمارات في إسقاط الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

وجاء التفوق الأمريكي على النفوذ البريطاني القديم في الشرق الأوسط بعد حرب الخليج عام 1991، عندما انتشرت القواعد العسكرية الأمريكية في الكويت والسعودية والبحرين وقطر.

وكانت دول الخليج الغنية بالطاقة تفترض أن هذه القواعد ستضمن لها الأمن، لكن تقارير حديثة تشير إلى أن بعض هذه الدول بدأت تتساءل عن جدوى استضافة القوات الأمريكية.

والآن تواجه هذه الدول ضغوطاً من واشنطن للانضمام إلى الحرب ضد إيران، وفي الوقت نفسه أصبحت أهدافاً محتملة بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة.

وكانت هذه الدول بالفعل تشعر بالقلق بعد فشل واشنطن في الرد على الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية عام 2019، وكذلك بعد عجزها عن كبح دولة الاحتلال التي قصفت الدوحة العام الماضي.

وفي ضوء ذلك، بدأت دول الخليج تنويع خياراتها الأمنية، فقد وقعت السعودية اتفاق دفاع مشترك مع باكستان، كما تبحث التعاون مع تركيا في إنتاج الأسلحة، بينما استضافت الإمارات قوات عسكرية صينية، حيث قال جرجس: “عندما تهدأ غبار هذه الحرب، فإن عملية التنويع التي بدأت بالفعل ستتسارع”.

من جهته، قال فرانكوبان إن هذه التحولات ستحتاج إلى وقت حتى تترسخ، وأضاف: “في أنحاء الخليج أسمع تهديدات كثيرة بالتوجه إلى الصين أو غيرها للحصول على أنظمة تسليح وأمن واستثمار، وهذا يعكس حرارة اللحظة وصعوباتها”.

لكنه أشار إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال قوياً، قائلاً إن الولايات المتحدة اقتصاد ضخم يتمتع بفرص ابتكار هائلة، ما يعني أن التحولات الاستراتيجية لن تحدث بين ليلة وضحاها، لكن جرجس استخدم تشبيهاً من كرة القدم، قائلاً “ما يحدث يبدو أشبه بهدف عكسي”.

القلق يمتد إلى شرق آسيا

ولا يقتصر تراجع الثقة في القوة الأمريكية على الخليج فقط، بل يمتد أيضاً إلى شرق آسيا، حيث بدأت الولايات المتحدة بنقل نظام الدفاع الصاروخي ثاد (THAAD) من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، فيما قال وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون إن واشنطن تدرس أيضاً إعادة نشر بعض أنظمة باتريوت الدفاعية.

وقال أندرو يو، الباحث البارز في معهد بروكينغز، إن لهذه الخطوة رمزية كبيرة في كوريا الجنوبية، الحليف الاقتصادي والعسكري الرئيسي للولايات المتحدة.

فقبل عقد من الزمن، دخلت كوريا الجنوبية في نزاع حاد مع الصين بسبب نشر نظام “ثاد”، ما أدى إلى مقاطعة اقتصادية صينية كلّفت سيول مليارات الدولارات.

وقال يو: “مهمة القوات الأمريكية هناك هي ردع أي غزو محتمل من كوريا الشمالية، وإذا كانت القوات الأمريكية ستدخل وتخرج بهذه الطريقة، فماذا يعني ذلك لالتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن كوريا الجنوبية؟ هذه الأسئلة تُطرح الآن”.

وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن البنتاغون يرسل حاملة الهجوم البرمائية “يو إس إس تريبولي” مع 2500 من مشاة البحرية الأمريكية من اليابان إلى الشرق الأوسط، وقد قال يو: “من وجهة نظر معينة، فإن أي شيء يُبقي القوات الأمريكية خارج منطقة الهندي–الهادئ يعد مكسباً للصين”.

أوروبا تدفع الثمن

ويرى خبراء أن الدول الأوروبية أيضاً تتحمل جزءاً من كلفة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، فقد جرى نقل نظام دفاع جوي باتريوت من ألمانيا لحماية قاعدة رادار تابعة لحلف الناتو في ملاطية بتركيا.

كما أعلن الرئيس الروماني نيكوسور دان أن بلاده ستستضيف طائرات أمريكية للتزوّد بالوقود ومعدات استطلاع واتصالات فضائية، بينما نشرت اليونان نظام باتريوت في إحدى جزر بحر إيجه.

ويأتي هذا التحرك العسكري في وقت لا تزال فيه أوروبا تواجه تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا التي ظلت إدارة ترامب تخوض الجدل مع الحلفاء الأوروبيين حول تكلفة دعم أوكرانيا.

لكن أحد المكاسب التي حققها الأوروبيون كان فرض عقوبات أكثر صرامة على النفط الروسي، أما الآن، ومع ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب مع إيران، فقد بدأت إدارة ترامب التراجع عن تلك العقوبات.

وقال إيان ليسر، نائب رئيس صندوق مارشال الألماني في الولايات المتحدة: “من بعض النواحي، تبدو هذه الأزمة شبيهة بالسويس ولكن بالعكس، فهناك أزمة عبر الأطلسي بسبب اختلاف المصالح والسياسات المشتركة، آنذاك كانت أوروبا تتبنى سياسة هجومية لم تعجب الولايات المتحدة، أما الآن فالعكس هو الصحيح”.

وأضاف: “أزمة السويس مثال جيد”، مشيراً إلى إلى أن معظم قدرات الدفاع الجوي المتكاملة لحلف الناتو موجودة حالياً في البحر المتوسط.

وتعد أوروبا من أكثر المناطق تأثراً بإغلاق مضيق هرمز، إذ لجأت بعد فرض العقوبات على روسيا إلى شراء وقود الطائرات والديزل من مصافي الخليج.

لكن ترامب أبدى القليل من التعاطف مع هذه الأزمة، متباهياً هذا الأسبوع بأن الولايات المتحدة كمصدّر صافٍ للطاقة تستفيد من ارتفاع الأسعار.

وقال ليسر: “هناك سؤال أساسي يتعلق بمصلحة الولايات المتحدة في الاستقرار الدولي، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، وهذا يقود إلى مسألة الثقة في الولايات المتحدة”.

وأضاف: “مجرد وجود نقاش حول ما إذا كانت العلاقة مع الولايات المتحدة تمثل مكسباً أم عبئاً هو أمر مقلق”.

ويرى البعض أن أحد المؤشرات على تراجع الهيبة الأمريكية يظهر في مضيق هرمز نفسه، فقدرة القوة العظمى على ضمان حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية تعد إحدى سمات النفوذ العالمي.

لكن مع عجز الولايات المتحدة عن فتح المضيق، بدأت فرنسا وإيطاليا التواصل مع إيران لضمان مرور ناقلات الطاقة، بحسب صحيفة فايننشال تايمز، كما أفادت وكالة رويترز بأن الهند قامت بخطوة مماثلة.

وقال جرجس في ختام حديثه: “العالم يتجه إلى نظام أكثر فوضوية وتعددية في الأقطاب”.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة