بسبب قيود الاحتلال.. “مسيرة العودة” تتحول إلى فعاليات متفرقة في القرى المهجّرة

في مشهد يعكس استمرار سياسات التضييق، تحوّلت “مسيرة العودة” السنوية، التي كانت تستقطب عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الداخل، هذا العام إلى سلسلة من الفعاليات المحدودة والجولات المتفرقة في القرى الفلسطينية المهجّرة، بفعل القيود التي فرضتها سلطات دولة الاحتلال.

ورغم هذه القيود، شارك مئات الفلسطينيين في زيارات محلية إلى قراهم المدمرة لإحياء ذكرى النكبة، التي تمثل تطهيرًا عرقيًا لفلسطين على يد العصابات الصهيونية عام 1948، في سياق إقامة دولة الاحتلال.

ويؤكد المشاركون أن هذه الفعاليات، رغم محدوديتها، تهدف إلى ترسيخ الهوية الفلسطينية في مواجهة ما يصفونه بمحاولات مستمرة من قبل دولة الاحتلال لطمسها.

وقال خالد عواد، المتحدث باسم جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين داخليًا، إن التواصل مع سلطات الاحتلال بدأ قبل نحو ثلاثة أشهر من موعد المسيرة، مشيرًا إلى أن الشرطة رفضت في البداية التعامل مع المنظمين، وهددت بمنع الفعالية إذا أُقيمت.

وبحسب عواد، لجأت الجمعية بالتعاون مع مركز “عدالة” الحقوقي إلى المحكمة العليا التابعة لدولة الاحتلال، التي أجبرت الشرطة على الرد رسميًا على طلباتهم. 

ومع ذلك، استمرت المماطلة وفرض الشروط المتغيرة، وهو ما وصفه عواد بأنه “نهج متكرر” في مثل هذه الحالات.

وأشار إلى أن الشرطة وافقت في نهاية المطاف على إقامة الفعاليات، لكن بشروط صارمة، أبرزها ألا يتجاوز عدد المشاركين ألف شخص فقط، وهو رقم وصفه بـ”غير المعقول”، نظرًا لأن المسيرة كانت تستقطب آلاف المشاركين في السنوات السابقة.

كما اشترطت الشرطة منع رفع الأعلام الفلسطينية أو أي رموز وطنية، بحجة أنها قد “تثير التوتر”، مع تحذير صريح من تفريق الفعالية في حال مخالفة هذه الشروط.

وأكد المنظمون أنهم تعاملوا بجدية مع هذه التهديدات، خاصة أن المسيرة عادة ما تضم عائلات وأطفالًا وكبار سن، ما يزيد من مخاطر تعرض المشاركين للأذى في حال تدخل الشرطة.

وقال عواد: “نحن نتحدث عن مساحة يأتي إليها الناس مع أطفالهم… نريد أن تبقى مكانًا آمنًا”، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي من هذه الفعاليات هو تمكين الفلسطينيين من إعادة التواصل مع قراهم والتأكيد على حق العودة.

ومع تأخر الموافقات الرسمية حتى أيام قليلة قبل الموعد المحدد، أصبح من غير الممكن تنظيم تجمع مركزي كبير، ما دفع المنظمين إلى اعتماد نموذج الفعاليات اللامركزية في مواقع متعددة.

وبالفعل، تم تنظيم أكثر من 30 جولة في قرى مهجّرة، من بينها الدامون، ميعار، معلول، اللجون، ومسكة، إضافة إلى مواقع أخرى في الجليل ومناطق الشمال، حيث كانت هذه القرى مأهولة بالفلسطينيين قبل تهجيرهم القسري.

وتفاوتت أعداد المشاركين من موقع إلى آخر، إذ شهدت بعض الفعاليات حضور عشرات الأشخاص، بينما استقطبت أخرى مئات المشاركين، في ظل التحديات اللوجستية وتشتت الفعاليات.

في قرية الدامون، شارك مئات الفلسطينيين في إحدى أبرز الفعاليات، بينما كان الحضور أقل في مواقع أخرى، أما في قرية مسكة، فقد ضمت إحدى الجولات نحو 70 مشاركًا، بينهم عائلات وأحفاد السكان الأصليين.

وكان من بين المشاركين، أبو أمجد شبيطة، وهو مسنّ في أواخر الثمانينيات من عمره، هُجّر من قريته مسكة وهو طفل، ويقيم اليوم في بلدة الطيرة. 

واستعاد شبيطة ذكرياته قائلًا إن السكان غادروا القرية بعد تحذيرات من جيش الإنقاذ العربي، في ظل تصاعد هجمات العصابات الصهيونية على القرى المجاورة.

وأضاف: “غادرنا ونحن نعتقد أننا سنعود”، في إشارة إلى الأمل الذي لم يتحقق منذ ذلك الحين.

ووصف شبيطة حياة التهجير التي تلت ذلك، قائلًا: “لا يوجد مكان يخلو من شخص من مسكة”، في إشارة إلى تشتت أبناء القرية في مناطق متعددة، مضيفًا أن القرية دُمّرت لاحقًا في أوائل خمسينيات القرن الماضي، لتُطوى بذلك صفحة طفولته.

وفي سياق متصل، قال مشاركون إن إحياء ذكرى النكبة يأتي في وقت تحتفل فيه دولة الاحتلال بقيامها، الذي أُسس على أنقاض القرى الفلسطينية التي تم تدمير العديد منها عمدًا لمنع عودة سكانها.

وترى الفلسطينية ياسمين شبيطة، من الجيل الثالث للنكبة، أن العودة إلى القرى المهجّرة تمثل فعلًا يتجاوز الذاكرة إلى “إعادة تخيّل الحياة” التي كانت يمكن أن تستمر لولا التهجير.

وقالت: “أحاول دائمًا أن أتخيل المكان كما لو كان حيًا”، مضيفة أن مجرد نقل هذه الروايات إلى الأجيال الجديدة يمثل شكلًا من أشكال المقاومة.

وتابعت: “حتى لو لم أبنِ بيتًا هنا، فإن نقل القصة لأطفالي يعني أنني قمت بدوري… لا يوجد دمار كامل، فهناك دائمًا بقايا، ويعود الناس إليها ليعيدوا بناء المعنى”.

ورغم اختلاف شكل المسيرة هذا العام، يؤكد المنظمون والمشاركون أن رسالتها لم تتغير، وأن الارتباط بالأرض والمطالبة بحق العودة يظلان قائمين، بغض النظر عن حجم الفعاليات أو طبيعتها.

مقالات ذات صلة