انقسام داخل البيوت… الحرب تعمّق الصدع بين أجيال الإيرانيين الأمريكيين

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

مع صمود وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، لا يزال الآلاف من الإيرانيين الأمريكيين في الشتات يعانون من موجة الاقتتال الداخلي حول الحرب، وهي موجة أدت إلى كسر المجتمع بشكل مؤلم.

بالنسبة لغير الإيرانيين الأمريكيين، تبدو هذه الخلافات وكأنها حجج متفجرة على وسائل التواصل الاجتماعي واحتجاجات متبادلة إما احتفالاً أو إدانة للغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية، إلا أن التوترات لا تظهر للرأي العام، بل داخل غرف المعيشة وعبر طاولات العشاء، حيث تتصارع العائلات حول مستقبل إيران.

“بالنسبة لي، هذا تطور مدمر ومخيف، فعندما يشعر الناس بالعجز إلى الحد الذي يجعلهم يرحبون بتدخل القوى المرتبطة بالحرب والدمار في أماكن مثل غزة والعراق وأفغانستان، فإن ذلك يعكس مستوى من الهزيمة يمكن أن يفتح الباب أمام نتائج رجعية عميقة” – سونيا- أمريكية إيرانية مناهضة للحرب في مقابلة مع موقع ميدل إيست آي

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى وجود انقسام بين الأجيال من أصول إيرانية داخل الشتات في وجهات النظر حول الحرب، حيث وجد استطلاع أجراه تحالف الشؤون العامة للأمريكيين الإيرانيين في مارس عام 2026 بأن الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً أقل احتمالية لدعم الضربات الأمريكية الإسرائيلية أو الدعم الأمريكي لشخصيات معارضة تسعى إلى تغيير سياسي في إيران، وأن الأمريكيين الإيرانيين الأصغر سناً أكثر ميلاً نحو المشاركة الدبلوماسية، بما في ذلك تخفيف العقوبات بدلاً من السعي إلى تغيير النظام.

في حديثه لميدل إيست آي، يرى ري غوندو، وهو أمريكي إيراني يبلغ من العمر 26 عاماً من ميشيغان مناهض للحرب: “لقد علمني العيش مع جدتي عندما كنت صغيراً أنه من السهل حقاً أن تكون صاخباً ومخطئاً”، مشيراً إلى أن نشأته وسط نساء إيرانيات ساهم في تشكيل وجهة نظره عن الجمهورية الإسلامية باعتبارها قمعية، خاصة تجاه النساء.

واستشهد ري بقصص من والدته، التي كانت ناشطة سياسية في ميشيغان خلال حركة “المرأة…الحياة… الحرية” لعام 2022، حول المضايقات والإساءات التي واجهتها الشابات على أيدي شرطة الأخلاق في شبابها في إيران.

أما والد ري، وهو أسود ومن مدينة نيويورك، فقد لعب أيضاً دوراً في تشكيل فهمه المبكر لعدم المساواة، حيث كانت المحادثات مع أقارب والده بمثابة تحدٍ لما تعلمه في المدرسة، مما دفعه إلى التشكيك في الروايات السائدة عن العبودية وتاريخ السود، ويقول أنه مع تقدمه في السن، فقد دفعته هذه الغريزة إلى تحدي الروايات حول الإمبريالية والعنصرية الأمريكية وتطبيقها على إيران.

يقول ري: “كلما تقدمت في السن، تطورت آرائي أكثر، فالشيء الوحيد الذي أفكر فيه كثيراً هو أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون قمعية بنفس القدر بالنسبة للنساء”.

لقد أدت معارضته للتدخل العسكري الأمريكي في إيران إلى مواجهات متكررة في الأشهر الأخيرة مع جدته، التي تدعم التدخل الأمريكي لإزالة الحكومة الحالية وتؤيد عودة ولي العهد المنفي رضا بهلوي، حيث يقول ري: “إذا كانت جدتي مؤشراً على الملكيين في هذا البلد، فإنهم يريدون فقط أن تفوز أمريكا ولا يهتمون بأي شيء آخر باستثناء إخراج الحكومة، وهذا لن يحدث فأمريكا لم تذهب قط إلى الحرب وأطاحت بحكومة دون تدمير البلاد”.

حرب معلومات

رغم التأثير العاطفي للتوترات في المنزل، إلا أن ري أكد على إظهار قدر أكبر من الصبر مع جدته، حيث يحدثها كثيراً على أمل تغيير آرائها، وهو جهد لن يمتد إلى صديق أو أحد معارفه، فيقول: “لقد تغيرت آراء جدتي بشأن الإبادة الجماعية في غزة، لكن تلك كانت معركة، لذا فإن التغيير ممكن، ولكن علينا أن نتذكر أن الناس تعرضوا لسنوات من الدعاية”.

يرى ري أن الجزء الأكثر صعوبة هو أن جدته قضت سنوات في مشاهدة القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية مثل مانوتو، الأمر الذي شكل فهمها للأحداث في إيران، حيث تمزج الشبكة المذكورة، بتمويل من زوجين ملكيين ويقع مقرها في لندن، بين الترفيه والتعليقات السياسية، وتحتل المرتبة بين القناتين الفضائيتين الأكثر شعبية باللغة الفارسية لدى الجمهور الإيراني، وخاصة الأجيال الأكبر سناً التي لا تثق في وسائل التواصل الاجتماعي.

غالباً ما تقدم شبكة مانوتو تاريخ إيران الحديث من خلال عدسة الحنين، ويصور العصر البهلوي على أنه “العصر الذهبي” وثورة 1979 باعتبارها أصل الأزمات الحالية في البلاد، وقد توقفت القناة عن البث في عام 2010، لكنها لا تزال تعمل عبر الإنترنت.

هناك منفذ آخر يحظى بشعبية كبيرة بين المغتربين وهو “إيران إنترناشيونال”، التي تأسست عام 2017، وهي عبارة عن قناة إخبارية باللغة الفارسية تبث على مدار 24 ساعة ويرتبط تحقيق أجرته صحيفة الغارديان بالتمويل السعودي عبر كيان خارجي سري، كما واجهت انتقادات من قبل الصحفيين والعلماء الإيرانيين باعتبارها ناطقاً بلسان بعض معارضي الحكومة الأكثر تشدداً، بما في ذلك الأصوات المؤيدة لإسرائيل.

في حديثها لميدل إيست آي، أوضحت أستاذة علم الاجتماع الإيرانية الأمريكية في كلية موهلينبيرج، سحر صادقي، بأن هذه القنوات وزعت ادعاءات لا أساس لها إلى حد كبير، والتي مع ذلك ترسخت كحقيقة مقبولة بين الإيرانيين المتعاطفين مع النظام الملكي، فقالت: “إن هذه الروايات تعطي غطاءً من المصداقية لبعض أهداف وادعاءات السياسة الخارجية للولايات المتحدة وإسرائيل، فهي تتحدث عن قوة وسائل الإعلام ليس فقط في تقديم المعلومات، ولكن في تحديد أولويات الناس وهوياتهم بطرق تساعدهم على فهم العالم”.

وقد أكدت صادقي بأن الاختلافات بين الأجيال في كيفية استهلاك الناس لوسائل الإعلام وتفسيرهم لها أمر بالغ الأهمية، حيث قالت بأن الأمريكيين الإيرانيين الأصغر سناً قد تم تنشئتهم اجتماعياً في بيئة يُفترض فيها المراقبة والتلاعب بالمعلومات، مما يجعلهم أكثر تشككاً، بينما من المرجح أن تقبل الأجيال الأكبر سناً المعلومات بقيمتها الاسمية، خاصة عندما تتوافق مع التوقعات.

وأضافت: “عندما يعمل الناس انطلاقاً من فهم مختلف جذرياً للحقائق الأساسية، يصبح من الصعب إجراء محادثات مثمرة أو حل الخلافات، وأعتقد أننا سوف نشهد استمراراً في تعميق الانقسام الأيديولوجي والمعرفي”.

وقد تذكرت سونيا صادقي، التي نشأت في سان فرانسيسكو، محادثة مع والدتها حول الغارة الجوية التي وقعت في 28 فبراير الماضي على مدرسة ابتدائية في ميناب والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 150 شخصًا، كثير منهم أطفال، حيث ردت والدتها بمزاعم بأن الجمهورية الإسلامية قتلت 30 ألف شخص في غضون أيام، وهو رقم قالت سونيا بأنها عرفته من تغطية إيران إنترناشيونال.

وتقول سونيا، الأمريكية الإيرانية المناهضة للحرب والبالغة من العمر 27 عاماً: “هذه نقطة نقاش يثيرها الكثير من الإيرانيين في الشتات، فمن المحتمل أنهم رأوه يتكرر في التعليقات البغيضة على الإنترنت، حيث يستشهد الناس بأرقام مختلفة، لكن لم يتم تأكيد أي منها”.

من الاستيعاب إلى خيبة الأمل

أوضحت سونيا بأنها شعرت بالآخر منذ سن مبكرة، وأدركت أن مظهرها وثقافتها وحياتها العائلية تميزها عن أقرانها، ولرغبتها في التأقلم، أوضحت بأنها اعتنقت الهوية الأمريكية التي شكلتها التعاليم المدرسية التي تؤكد على الحرية، بينما تصور إيران على أنها دولة دينية قمعية، ثم تغير ذلك عندما بدأت دراسة التاريخ في جامعة ميشيغان، حيث تطور تعليمها السياسي.

قالت سونيا: “لم أعد فخورة بكوني أمريكية”، مضيفة بأنها تشعر بالغضب تجاه الولايات المتحدة بسبب تصرفاتها الإمبراطورية عبر التاريخ، فقالت: “من ناحية أخرى، يبدو لي أن عائلتي الكبيرة ترى أمريكا كمنقذ في بعض النواحي بسبب تأثير العقوبات على الوضع الاقتصادي في إيران، حيث يأتي الناس إلى هنا وهم قادرون على كسب المال ويذهلهم شعور الحرية والإمكانية”.

يذكر أن والد سونيا كان قد هاجر إلى الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات، قبل الثورة مباشرة، بتأشيرة طالب، بينما وصلت والدتها في وقت لاحق في أوائل التسعينيات.

“الكثير من أصدقائي يواجهون نفس النضال، فنحن نمزح حول مدى صدمة عائلاتنا لأننا لسنا مع بهلوي بنسبة 100%، ولكن عندما نتحدث مع والدينا، تكون محادثاتنا مثمرة حقاً” – ماهون محموديان- أمريكي إيراني متحدثاً إلى ميدل إيست آي

وتصف سونيا رغبة والدتها في إزالة الجمهورية الإسلامية بأنها نتيجة صدمة نشأتها بعد الثورة، فقالت: “لقد كنت أحاول حقاً أن أتعاطف مع الآخرين خلال الشهرين الماضيين، ولكن عندما أتحدث مع والدي حول هذا الأمر، يقولون لي (أنت لا تعرفين ما هو الأمر) وقد يبدو ذلك غير صالح”. 

تذكرت سونيا نشأتها في أسرة تفتخر بكونها إيرانية، مما يجعل من الصعب التوفيق بين ذلك وبين ما تعتبره وعداً كاذباً بالحرية مرتبطاً بانهيار الحكومة، حيث قالت بأن عائلتها تعتبر الجمهورية الإسلامية في أدنى مستوياتها، لكنها حذرت من أن سيناريوهات مثل الحرب الأهلية والتشرذم والدمار الواسع النطاق قد تكون أسوأ بكثير، فقالت: “من أجل إصلاح بلدك، لا يزال يتعين عليك أن يكون لديك بلد لإصلاحه”.

الافتقار إلى التواصل “يؤدي إلى الانقسام”

في حديثها لميدل إيست آي، أشارت أستاذة دراسات المرأة والجنس والجنس في كلية بارنارد، مانيجه مراديان، بأن تزايد المشاعر المؤيدة للملكية يمكن فهمه جزئياً على أنه رد فعل على سحق الحركات الشعبية في إيران منذ عام 2022، بما في ذلك احتجاجات يناير عام 2026 على مستوى البلاد بسبب انهيار العملة، والتي شهدت مقتل الآلاف.

وأضافت بأن هذه المساحات لتقرير المصير قدمت بدائل لكل من الجمهورية الإسلامية والتدخل الغربي قبل أن تقابل بالقمع العنيف، مما يترك شعوراً عميقاً باليأس، وقد تفاقم هذا اليأس بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة، حيث يكافح الكثيرون من أجل توفير الضروريات وسط ارتفاع التضخم والأجور غير المدفوعة. 

أوضحت موراديان: “عندما يشعر الناس أنه ليس لديهم مستقبل، يبدأ الكثيرون في فقدان الثقة في قدرتهم على إحداث التغيير، ومع استمرار تداول الرسائل الأمريكية والإسرائيلية بين الأسر الإيرانية، بدأت الفكرة تترسخ لدى البعض بأن القوة الخارجية ربما تكون الخيار الوحيد”.

وأضافت: “بالنسبة لي، هذا تطور مدمر ومخيف، فعندما يشعر الناس بالعجز إلى الحد الذي يجعلهم يرحبون بتدخل القوى المرتبطة بالحرب والدمار في أماكن مثل غزة والعراق وأفغانستان، فإن ذلك يعكس مستوى من الهزيمة يمكن أن يفتح الباب أمام نتائج رجعية عميقة”.

وفي الوقت نفسه، أوضحت مراديان بأن الأمريكيين الإيرانيين الأصغر سناً بلغوا سن الرشد خلال حركة التضامن مع فلسطين، حيث شارك بعضهم في معسكرات الطلاب، بينما شاهد كثيرون آخرون أعمال العنف تتكشف في الوقت الحقيقي على هواتفهم، فتقول: “بمجرد اتخاذ موقف ضد ما يحدث في غزة، يصبح من الصعب للغاية رؤية إسرائيل كمحرر محتمل لشعبك”.

ويؤكد ماهون محموديان، وهو أمريكي إيراني يبلغ من العمر 31 عاماً من ولاية تينيسي مناهض للحرب، في حديثه لميدل إيست آي، بأن سنوات النزوح وحياة المهاجرين وتدهور الظروف في إيران أدت إلى تشديد نظرة والديه، وهذا التحول، الذي كثفته حملات القمع المميتة ضد احتجاجات يناير الماضي، جعلهم يركزون على إزالة الحكومة بأي ثمن، وفي الوقت نفسه، يؤكد بأنه يتبنى وجهة نظر أوسع في سياق جيوسياسي أوسع.

يقول ماهون: “الكثير من أصدقائي يواجهون نفس النضال، فنحن نمزح حول مدى صدمة عائلاتنا لأننا لسنا مع بهلوي بنسبة 100%، ولكن عندما نتحدث مع والدينا، تكون محادثاتنا مثمرة حقاً”.

ويظهر استطلاع أجرته مؤسسة زغبي أناليتيكس تحولاً في الرأي، حيث يعارض الآن ما يقرب من ثلثي الأمريكيين الإيرانيين الحرب، بعد أن كانت وجهات النظر في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منقسمة بالتساوي تقريباً.

وعلى عكس التبادلات عبر الإنترنت أو الأصدقاء البعيدين، وصف ماهون التفاهم المتبادل المتزايد داخل عائلته، حيث أصبح كل جانب أكثر انفتاحاً على وجهات النظر المختلفة التي شكلتها تجاربهم، وأضاف: “إنه أمر محزن، ولكن في الشتات الأكبر في الولايات المتحدة، غالباً ما يكون هناك نقص في إضفاء الطابع الإنساني الحقيقي على الشخص على الجانب الآخر، حيث ينظر إليهم الناس على أنهم مجرد صوت آخر وليس شخصاً لديهم اتصال حقيقي به، وهذا الافتقار في التواصل يمكن أن يؤدي إلى الانقسام”.

للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة